السبت، 4 أبريل 2026

حكم الإنصات لقراءة القرآن في غير الصلاة وخطبة الجمعة // لفضيلة الشيخ أ.د. محمد ين سعد الهليل العصيمي -حفظه الله-.

 


حكم الإنصات لقراءة القرآن في غير الصلاة وخطبة الجمعة :

—————————

ذهب الحنفية إلى وجوب الإنصات لقراءة القرآن في غير الصلاة ، وخطبة الجمعة .

على خلاف عندهم بين كونه فرضاً عينياً أو كفائياً.

لعموم قوله تعالى :( وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ).

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


ويمكن مناقشته بما يلي :


1 - أن هذا من العام الذي يراد به الخاص .

وذلك أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة ، حتى نزل قوله تعالى :( وقوموا لله قانتين ).

ويدل على ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وإذا قرأ - أي الإمام - فأنصتوا ).

ويؤيده : ما حكاه الإمام أحمد : على أن الإجماع منعقد على أن المراد بالآية في الصلاة .

وهذا ما فسره به جماهير سلف هذه الأمة ، من أن المراد بالأمر من الإنصات في الآية ، في الصلاة .


2 - أن القاعدة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إلا إذا كان السبب معنوياً، فأن العام يتقيد بما يشبه حال ذلك السبب.

ونظير ذلك : كما في حديث :( أولئك العصاة ) 

فقد روى مسلم : أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إلى مَكَّةَ في رَمَضَانَ، فَصَامَ حتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بقَدَحٍ مِن مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فقِيلَ له بَعْدَ ذلكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قدْ صَامَ، فَقالَ: أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ. [وفي رِوايةٍ زاد]: فقِيلَ له: إنَّ النَّاسَ قدْ شَقَّ عليهمُ الصِّيَامُ، وإنَّما يَنْظُرُونَ فِيما فَعَلْتَ، فَدَعَا بقَدَحٍ مِن مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ).

مع حديث ( كنا نسافر ، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبدالله بن رواحه) فيحمل هذا على ما إذا لم يضره ولم يشق عليه، والأول على ما إذا كان يضره الصوم في السفر .


وكذلك حديث: ( أرضعيه تحرمي عليه) في حديث سالم مولى أبي حذيفة، مع حديث:( إنما الرضاعة من المجاعة) فيحمل حديث سالم على من حصل له التبني وشق عليها التحرز منه، بخلاف من لم يكن كذلك .

ونحو ذلك - وقد سبق بيانه في كتابنا القواعد الفقهية والأصولية -.

ولما كانوا يتحدثون في الصلاة أمروا بالإنصات له وهم في صلاتهم .


3 - ولأن الأمر في الآية من باب الآداب وتهذيب السلوك ، ولا ينبغي أن يقرأ القرآن وهو منشغل عنه ، فيبقى الأمر فيها على الاستحباب ، إلا ما دل الدليل على وجوب الاستماع والانصات لقراءة القراءن في الصلاة ، لحديث( وإذا قرأ الإمام فأنصتوا )، وفي الخطبة ، لحديث( من قال لأخيه والإمام يخطب ، أنصت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له).


ولهذا ذهب جماهير السلف والخلف إلى استحباب الإنصات لقراءة القرآن في غير الصلاة والخطبة ،لا لوجوبه، وهذا هو الأقرب .

- لما تقدم من عموم الآية - وأما حديث:( إذا قرأ الإمام فأنصتوا ) فلا يحصل به التخصيص، لأن القاعدة الأصولية : أحد أفراد العام لا يخصص به إذا كان موافقاً له في الحكم - وقد سبق شرحه في كتاب القواعد الفقهية والأصولية -.

- والله أعلم .


أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى/ مكة المكرمة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق