الوعيد بحبطان العمل يقتضي الخروج من الملة :
—————
الخلاصة : هذا هو الأصل ، أنه يقتضي الخروج من الملة إذا ورد في النصوص الشرعية .
لورود نصوص كثيرة تدل على ذلك ، ولأن هذا مقتضى لغة العرب، وقوله تعالى ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) وسيلة لوقوع حبطان العمل كما سيأتي .
———————-
1 - إذا وقع المسلم في الردة - والعياذ بالله - أو الشرك الأكبر بدون عذر شرعي كالإكراه ، حبط عمله،
قال تعالى : ( ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ).
وقال تعالى :( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).
2 - قوله تعالى : ( ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ .
فمحرد رفع الصوت والجهر به أمام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج من الملة ، ولا يحبط جميع العمل بالإجماع، وإنما الذي يخرج من الملة منه ما كان على وجه الاستخاف والانتقاص للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون النهي عن هذا الفعل لأنه وسيلة للحصول الأكبر منه الذي يخرج من الملة ، وهذا ما تشير له الآية الكريمة :( أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ).
لأنه يفضي إلى الحبوط أو يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط ،أي يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط.
ويؤيد هذا ما جاء في صحيح مسلم : ، عن أنس ، لما نزلت هذه الآية : ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) قال ثابت بن قيس : أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا من أهل النار . فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هو من أهل الجنة ".
وهذا يدل على أن مجرد رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج من الملة ، وإنما إذا كان على وجه الاستخاف والانتقاص .
2- والعمل هنا مضاف :( أعمالكم ).
والقاعدة : المفرد إذا أضيف يعم.
والجمع إذا أضيف يعم .
3 - قال ابن عطية رحمه الله في تفسيره: " وقوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ) مفعول من أجله، أي مخافة أَنْ تَحْبَطَ، والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبط بكسر الباء، وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرِّضة بمن يفعل ذلك استخفافا واستحقارا وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته.
وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجريا على طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدّة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقارا، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة: وأنت لا تشعر؛ لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: «فتحبط أعمالكم»" انتهى من "المحرر الوجيز" (5/ 145).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله: " (الخامس) : أن الله لم يجعل شيئا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئا يحبط جميع السيئات إلا التوبة. والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان.
قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق بشرط يعدم عند عدمه. وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} مطابق لقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} . فإن الإشراك إذا لم يغفر وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.
وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} لأن ذلك كفر.
وقوله تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} لأن ذلك قد يتضمن الكفر، فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك؛ لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط.
ولا ريب أن المعصية قد تكون سببا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر؛ فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط؛ كما قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} - وهي الكفر - {أو يصيبهم عذاب أليم}" انتهى من "مجموع الفتاوى" (7/ 493).
وقال رحمه الله في "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، ص54: " فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض؛ لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر، فإنه علل نهيهم عن الجهر، وتركهم له، بطلب سلامة العمل عن الحبوط. وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل، وانعقاد سبب ذلك، وما قد يفضي إلى حبوط العمل: يجبُ تركه غايةَ الوجوب.
والعمل يَحبط بالكفر قاله سبحانه: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ... فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي، والجهر له بالقول: يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر، ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك، وسبب فيه؛ فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال، ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له، أو استخفاف به، وإن لم يقصد الرافع ذلك.
فإذا كان الأذى والاستخفاف، الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه، يكون كفرا؛ فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد: كفر بطريق الأولى " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، أو يجهر له بالقول كجهره لبعض الناس فيه: أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر, لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول صلى الله عليه وسلم، والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (110/ 3).
والحاصل:
أن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم معصية، لكنها قد تفضي إلى الكفر الذي هو الاستهانة، والاستخفاف، فيحبط العمل.
أو أن المراد أنها معصية تُحبط البر والأدب الواجب في حقه صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله: "تحبط أعمالكم": عام أريد به الخصوص، كما أشار إليه ابن عطية.
وقال ابن عاشور: "ويجوز أن يُراد: حبط بعض الأعمال، على أنه عام مراد به الخصوص، فيكون المعنى حصول حطيطة في أعمالهم، بغلبة عِظَمِ ذنب جهرهم له بالقول" انتهى من "التحرير والتنوير" (26/ 222).
والذنوب قد تحبط بعض الأعمال، كإحباط المنّ للصدقة، وإحباط الربا للجهاد كما جاء عن عائشة رضي الله عنها.
4 - وبناء على سبق : فإن الأصل أن حبطان العمل بسبب فعل أو قول يقتضي الخروج من الملة ، ما لم يأت دليل يصرفه عندظاهره ، أو قرينة، وذلك لأن تحبطان العمل في النصوص السابقة تقتضي الخروج من الملة إلا بدليل كما في الآية السابقة ( أن تحبط أعمالكم )، وقد سبق بيان المراد ، وفي ذات الآية ما يدل على أن مجرد رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة مفضية للوقوع في الكفر، لا مجرد الرفع محبط للعمل ، فلا يشكل على هذا الأصل.
وقد جاء في صحيح مسلم مرفوعاً:( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) استدل به جمهور السلف على أن من ترك صلاة مفروضة من الصلوات الخمس متعمداً من غير عذر ، على خروجه من الملة .
وذكر صلاة العصر من باب التمثيل، أو من باب الغالب لمن ترك : ترك صلاة العصر.
والقاعدة : ما خرج مخرج التمثيل أو خرج مخرج الغالب لا مفهوم له .
فيشمل الحديث : كل من ترك صلاة من الصلوات الخمس .
والله أعلم .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.
مكة. جامعة أم القرى . كلية الشريعة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق