حكم رمي بقايا الطعام في النفايات :
مسؤولية المتبقي أو الفاضل من الطلب في المطعم من الطعام هل هو على المطعم أو على المشتري:
حكم الزائد في السفر من الأكل :
————
1 - قال تعالى : ( وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ).
والإسراف في الشرع لم يحدد في الشرع ،
والقاعدة : كل ما لم يحدد في الشرع ، فالمرجع إلى تحديده إلى العرف.
وبناء على ذلك : فكل ما يستدعي ترك الطعام الذي له قيمة عالية من غير استفاده منه ، مما يعد في عرف الناس إسرافاً ، ففعله ذلك ، أو تركه من غير الاستفادة منه ، من المال الذي يعد تضييعه إسرافاً.
والقاعدة : الترك يعتبر فعلاً،- كما تقدم تقريره في القواعد الفقهية والأصولية -.
وأما الطعام الفائض الذي عجز عن الاستفادة منه ، ف ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)،
وكذا الطعام اليسير الفاضل الذي لا يعد في العرف الزهد فيه إسرافاً، فإنه مما يعفى عنه .
2 - حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح : ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات، ومنعاً وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ) .
إضاعة المال) : بذل المال فيما لا غرض له فيه ديني ولا دنيوي. وقيل : هو الإسراف في الإنفاق، وكلاهما صحيح .
قال السبكي : إنفاق المال في الملاذ المباحة موضع اختلاف وظاهر قوله تعالى ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف، ومن بذل مالاً كثيراً في عرض يسير فإنه يعده العقلاء مضيعاً.أ .ه.
وكذا كل ما يعد في العرف إسرافاً فهو إسراف .
وعلى هذا فإن من بذل ماله في غير محرم ولا فائدة له فيه دنيا ولا أخرى فقد فعل مكروها، لقوله صلى الله عليه وسلم( كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال )، فإذا وصل إلى حد الإسراف عرفاً، أو أنفقه فيما حرم الله فقد وصل في إضاعة المال إلى الحد المحرم.
وقد سبق بيان ذلك في : حكم حكم اللعب بالمرفقعات والألعاب النارية.
3 - قاعدة : كل بذل فيما لا غرض فيه ديني ولا دنيوي فهو مكروه ما لم يصل إلى حد الإسراف، أو يبذله في حرام، فهو حرام .
وذلك لحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - السابق.
وبناء على ذلك فإن ترك الفائض من الطعام المأكول مما يمكن الاستفادة منه ، مما لا يصل إلى حد الإسراف يعتبر مكروهاً.
4 - روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- :( خَرَجَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ذَاتَ يَومٍ -أَوْ لَيْلَةٍ- فَإِذَا هو بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقالَ: ما أَخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هذِه السَّاعَةَ؟ قالَا: الجُوعُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا، فَقَامُوا معهُ، فأتَى رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا هو ليسَ في بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقالَ لَهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ المَاءِ، إذْ جَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ ما أَحَدٌ اليومَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هذِه، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ، فَذَبَحَ لهمْ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِن بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيم ).
الشاهد : ( لتسألن عن هذا النعيم )
وبناء عليه : فإن المحافظة على النعمة، وشكر الله عليها بفعل ما ينبغي، وترك ما لا ينبغي تجاهها من مسؤولية كل فرد مكلف .
فلا يفعل ما لا ينبغي تجاهها عرفاً- كراهة أو تحريماً- كما سبق ، ويفعل ما ينبغي اتجاهها عرفاً- استحباباً أو وجوباً- كما سبق .
5 - أن كان يستطيع أن يفعل وجوباً أو استحباباً تعين ذلك عليه بحسب استطاعته .( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ).
فمن أهمل في مسؤوليته ، وجب نصحه .
6 - الخوف من زيادة الطعام لا تعني ترك واجب الضيافة بحسب العرف ، فالضيف يكرم بحسب العرف :(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ).
وفي الحديث:( فإن أمروا لكم بما يؤمر للضيف فاقبلوا منهم ، وإلا فخذوا الحق الذي لكم ).
وقال تعالى عن إبراهيم :( وجاء بعجل حنيذ ).
وما زاد من الطعام بعد إكرامه يصرف في مصارفه بحسب الحاجة .
6 - ترك اليسير من الطعام من خبز أو أرز، فلا حرج في رميه ، لأن التحرز منه من الحرج ( وما جعل عليكم في الدين من حرج)
وقياساً على اليسير من الغرر ونحوه، مما عفت عنه الشريعة الإسلامية .
مع الأفضل الاستفادة منه بقد الإمكان .
7 - أخذ الطعام الفاضل أو المتبقي بعد الانتهاء من العشاء في قصور الأفراح ونحوها مما يعلم زهد صاحبه عنه وتركه له، جائز ولا حرج فيه، وكذا كل ما دلت القرينة على زهد صاحبه فيه ورغبته عنه ، فهو لمن أخذه .
تنبيه : جرى في عصرنا : أن كثيراً من المطاعم توفر صحون سفري للأكل الزائد ، يأخذه صاحب الطلب ، ويوضع في صحون سفري، ثم يقوم بإعطائه لمن يظن أنه محتاج إليه من العمالة أو غيرهم ، وهذا فعل طيب ، ومن التعاون على البر والتقوى .
وينال فيه المعطي إطعام مسكين أو غيره، وفي الحديث:( في كل كبد رطبة أجر ).
والله أعلم .
أ .د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق