حكم الأفعال المحتملة :
تعريف العبادة. :
قاعدة : كل من صرف شيئاً من خصائص الله تعالى لغير الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر .
————-
1 - صورة المسألة هناك أفعال في بعض صورها تكون عبادة، وفي بعضها لا تكون عبادة .
مع أن بعض الصور تدل القرينة على كونها عبادة ، فمن سجد للصنم ، لا يمكن أن يكون سجوده ذلك إلا عبادة .
فمن حيث من صرف له ههنا تعين كونه عبادة فوقع في الشرك الأكبر ، وأما السجود من حيث هو ، فقد ورد في القرآن على أنه يكون في شرع من قبلنا من باب التقدير والاحترام ، ولا يمكن أن يأتي في شرائع الأنبياء قبلنا إباحة الشرك الأكبر، قال تعالى :( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً).
مع أنه في شريعتنا المحمدية خاصاً بالله تعالى .
ولا يلزم من السجود للشيء عبادته ، فقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، وقد كانت البهائم تسجد للنبي صلى الله عليه وسلم
وحرمته شريعتنا ولو كان من هذا الباب سداً للذريعة ، فقال صلى الله عليه وسلم :( لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ).
وفرق بين السجود لمن لا يتصور له التحية كالشجر ، والشمس والقمر، وبين ما يتصور فيه السجود تحية كالوالدين .
2 - والعبادة هي : جمع غاية الذل مع غاية الخضوع والتذلل ، والتعظيم والمحبة ، في الفعل ، وهذا من حيث الأصل ، وإلا فإن كل من امتثل أمر الله تعالى في أفعاله وتروكه، رحاء ثواب الله تعالى ، وخوفاً من عقابه، فقد تعبد لله تعالى بما شرع الله تعالى ، وإن غاب عنه الذل والخضوع أو المحبة في بعض الصور ، كمن صلى الكسوف خوفاً من انعقاد أسباب الشر وحدوثه، فظهرت معالم الخوف ولو غابت عنه المحبة والتعظيم ، في بعض صورها ، أو العكس.
قال تعالى :( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، وقال تعالى :( يدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين )
فما اجتمع فيه الذل والخضوع والمحبة مما لا يصرف إلا لله تعالى فهو عبادة .
3 - العبادات المحضة ، وهي الأقوال والأفعال التي لا تكون إلا عبادة ، فمن صرفها لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر، كمن صلى لغير الله تعالى أو صام .
فهي عبادات ملازمة لمعنى التعبد لا تنفك عنه أبداً في دين الله تعالى .
4 - المحبة، والاستغاثة، والتعظيم ، ونحو ذلك قد تكون عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى ، ولا يجوز تعلقها بالمخلوق، وتارة يجوز تعلقها بالمخلوق .
5 - فإن قيل : لا يلزم في الأفعال المحتملة ، من صرف الشيء الخاص بالله تعالى لغيره الوقوع في الشرك الأكبر، كالكبر، والحلف بغير الله تعالى، والتصوير ، والسجود ونحو ذلك .
فالجواب :
- أ - أصل الشرك والتوحيد متعلق بالخصائص الإلهية، فلا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى ، فما خالف هذا الأصل يتم الجواب عليه بحسب تلك الحال التي يستلزم منها صرف ما كان من الخصائص الإلهية لغير الله تعالى مما يلزم منه الوقوع في الشرك .
-
- ب - فالتصوير قديكون فيه معنى المضاهاه لخلق الله تعالى ، والكبر قد يكون مانعاً من قبول الحق، فيجحد صاحبه الحق، ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ).
- وكذا يقال في السجود- كما سبق - والحلف على ما يأتي . ففي كل مثال بحسبه، وأن هذه الأحوال لها صور متعددة، فحرمة الشريعة جنسها لأنها ذريعة الشرك .
6 - الأفعال المحتملة ، كالاستعانة والاستغاثة والدعاء ونحو ذلك ، فصرف شيء منها مما
لا يصلح إلا أن يكون لله تعالى ، فصرفه لغير الله تعالى يوقع صاحبه في الشرك الأكبر، لأنه صرف شيئاً من خصائص الله تعالى إلى المخلوق.
فكل حق محض لله تعالى لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
قال ابن تيمية :( أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده).
7 - إطلاق الأفعال المحتملة أنها لا تكون إلا لله تعالى من جمع من العلماء يحمل هذا الإطلاق على أحوال :
أ- يطلق على كماله، مثل كمال الاستغاثة ، وكمال الاستعانة ، ونحوهما لا تكون إلا من الله تعالى ، أو الاستغاثة الكلية، ونحوها.
ب - ويطلق : على المطلق من تلك الأفعال المحتملة ، فلا يطلب النصر المطلق إلا من الله تعالى ، والغوث المطلق ، والإعانة المطلقة إلا من الله تعالى .
ج - يطلق على جهة الاستقلال، فالتي يستقل بها عن غيره هو الله وحده، وأما ما كان من المخلوق فهي تابعة لإرادة الله تعالى ومشيئته .
د- في سياق الترغيب والترهيب، في تعليق القلوب بالله تعالى ، والتنفير من التعلق بالمخلوق.
و- في الرد على المخالفين الذين أشركوا في تلك الأفعال.
8 - كل من صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى ، فقد أشرك شركاً أكبر .
كمن يطوف بالقبر يتقرب يذلك الطواف لصاحب القبر .
وإن كان قصده التقرب إلى الله تعالى بطوافه
على القبر، فهو بدعة، ووسيلة من وسائل الشرك .
9 - الأفعال المحتملة الداخلة في مفهوم العبادة صرفها لغير الله تعالى شرك .
10- حقيقة التوحيد : تقوم على إفراد الله تعالى بما يختص به.
وحقيقة الشرك تقوم على جعل شيء من خصائص الله تعالى للمخلوق.
11 - خصائص الله تعالى : هي الأمور التي لا يتصف بها غيره ،
قال ابن تيمية :( خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات ، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته).
12- الخصائص الإلهية في الربوبية :
أ - الإنشاء من العدم، فلا يخلق شيئاً من العدم إلا الله تعالى
فمن نسب إلى المخلوق كونه ينشيء من العدم فقد أشرك شركاً أكبر.
ب - التأثير الذاتي في الكون، فمن نسب أو اعتقد أن هناك من يؤثر في الكون بقدرته الذاتية التي لم يحصلها من غيره، غير الله فقد أشرك شركاً أكبر .
ج - التأثير المطلق في الكون ، فمن نسب أو اعتقد أن غير الله تعالى له أن يؤثر في كل شيء يريده من غير تخصيص ، فقد وقع في الشرك الأكبر .
د- الملك المطلق أو التام ، فمن نسب أو اعتقد أن غير الله تعالى يملك كل شيء من غير تقييد ، ففد وقع في الشرك الأكبر.
ه- الإحياء والإماته، فمن نسب أو اعتقد أن غير الله يحيي ويميت ، فقد وقع في الشرك الأكبر
و - الضر والنفع الذاتي: فمن اعتقد أو نسب إلى المخلوق أنه ينفع ويضر بذاته، فقد وقع في الشرك الأكبر .
ي- التشريع ، فلا يملك حق التشريع إلا الله تعالى ، فمن ملك حق التشريع غير الله تعالى ، وقع في الشرك الأكبر، فلا مشرع إلا الله تعالى .
13 - الخصائص الإلهية في الأسماء والصفات :
أ - الاتصاف بالكمال المطلق ، فمن نسب لغير الله تعالى الكمال المطلق فقد وقع في الشرك الأكبر .
ب- الصفات الخاصة بالله تعالى ، كالأولية والأخروية ، فمن نسبها لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر .
ج - الأسماء الخاصة بالله تعالى، كلفظ الجلالة : الله.فمن سمى المخلوق باسم من أسماء الله تعالى الخاصة به، وقع في الشرك الأكبر .
د- الكمال في عموم الصفات ، كالكمال في صفة الحياة أو العلم ، ونحو ذلك فمن نسبها لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر.
ه - العلم بالغيب المطلق ، فمن نسبه لغير الله وقع في الشرك الأكبر.
و- مغفرة الذنوب ، وإزالة عقوبتها يوم القيامة، لا تكون إلا من الله تعالى. فمن نسبها لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر .
ف - ذاتية الكمال، فكل ما يقوم بذاته سبحانه من الكمالات فهو من ذاته لا من أحد سواه.
فمن نسب للمخلوق أن كماله من ذاته لم يستفده من أحد سواه وقع في الشرك الأكبر .
ي - عدم المساءلة : فالله سبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
فمن نسب إلى مخلوق لا يسأل عما يفعل مطلقاً وقع في الشرك الأكبر .
14- الخصائص الإلهية في الألوهية :
أ - استحقاق العبادة : فلا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فمن نسب استحقاق العبادة لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر .
ب- غاية الذل والخضوع والمحبة ، فمن جعلها لغير الله تعالى وقع في الشرك الأكبر .
ج - العبادات المحضة كالصلاة والصوم ونحوهما ، من صرفها لغير الله وقع في الشرك الأكبر.
د- الأفعال المحتملة في حالة كونها عبادة .
فكل دليل أو قرينة تدل على كونها عبادة ، لا تصرف إلا لله تعالى ، وصرفها لغير الله تعالى شركاً أكبر .لكونه صرف للمخلوق واحدة من خصائص الله في الألوهية فهو في الحقيقة يعد عبادة له، لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها ومبانيهافلا يتوقف أن يسمي المكلف فعله عبادة، ولا على أن يقصد التعبد.
و - ذاتية القصد، فالله هو المقصود لذاته ، والمحبوب لذاته لا لشيء خارج عن ذاته ، فمن نسب للمخلوق أنه مقصود لذاته ، أو محبوب لذاته، وقع في الشرك الأكبر ، لأنه جعل شيئاً من خصائص الله تعالى في المخلوق.
محمد بن سعد الهليل العصيمي