حكم زواج المرأة من غير ولي ، عند الضرورة أو الحاجة الشديدة :
—————————
لا شك في اشتراط الولي للمرأة في النكاح عند جماهير أهل العلم ومنهم المالكية والشافعية، والحنابلة ، لحديث:( لا نكاح إلا بولي)، ولحديث في سنده نظر: ( لا تزوج المرأة المرأة ، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها).
ولكن هناك حالات وقضايا أعيان ، يكون توفر الولي في زواج المرأة متعذر ، أو في حكم المتعذر لوجود الحرج الشديد في اشتراطه لها ، إما لرفضه الذي يترتب على رفع العضل عليه للحاكم وجود القطيعة، أو الفضيحة والعار في مجتمعها عند طلبها قضية رفع العضل عنها، وقد لا يقبل ذلك منها لعدم توفر المستندات والوثائق في ذلك البلد التي هي غريبة فيها، فهل لها والحالة تلك أن يزوجها من له الكلمة من المسلمين في ذلك المجتمع كالمفتي، فإن تعذر ، زوجها رجل مسلم بخاطبها ، وذلك عند وجود الضرورة أو الحرج الشديد في عدم زواجها عن طريق وليها، وخصوصاً إذا خشيت على نفسها من الفتنة .
الذي يظهر لي جواز ذلك عند وجود الضرورة أو الحرج الشديد في اشتراط الولي في نكاحها،
وذلك للأسباب التالية :
1 - لقوله تعالى : ( ما جعل علبكم في الدين من حرج )، وفي حديث ابن عباس :( أراد أن لا يحرج أمته )
فالحرج في الشريعة منفي، وهذه المرأة تريد أن يكون زواجها على عقد صحيح بشروطه وأركانه، وانتفاء موانعه، ولحقها العسر والحرج بشرط الولاية الذي عجزت عنه أو في حكم المعجوز عنه، لوجود الحرج الشديد بتوفره.
2- دفعاً للضرر عن المرأة ، عند عدم تحقق زواجها بولي إلا بضرر محقق يلحقها .
لقوله صلى الله عليه وسلم :( لا ضرر ولا ضرار ).
3 - القاعدة : الحاجة تنزل منزلة الضرورة عند وجود الحرج الشديد، أو كانت هذه الحاجة دل الدليل عليها، أو في معنى ما دل الدليل عليه، أو أولى مما دل الدليل عليه ، وما لا فلا - وقد تقدم تقريرها في القواعد الفقهية والأصولية -.
4 - ولأن خوف العنت والفتنة من الوقوع في الفاحشة من الأعذار المعتبرة شرعاً، فقد اشترط الله تعالى في جواز نكاح الحر للأمة إذا كان الحر لا يستطيع مهر الحرة، وكانت الأمة مؤمنة، أن يخشى على نفسه العنت ، قال تعالى :( ذلك لمن خشي العنت منكم).
5 - والقاعدة : العجز الحسي، ينزل منزلة العجز الشرعي، والعجز الشرعي ينزل منزلة العجز الحسي.
وما يلحق الإنسان من الفعل المأمور به من الحرج الشديد فإن الشريعة تخففه حتى يصل إلى المشقة المعتادة .
وفي حديث كعب بن عجرة ( ما كنت أظن أن الأذى بلغ بك هذا المبلغ :( احلق رأسك وأطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع) والأذى الشديد معتبر في تخفيف الحكم الشرعي.
وأي أذى يلحق المسلمة عند منع وليها بالكفء، وأي أذى يلحقها من الأذى الحسي بمنعها من فطرتها التي فطرها الله عليها، وأي أذى يلحقها بتعييرها وقطيعة رحمها لها إذا رفعت ذلك للحاكم الشرعي.
6 - قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج : لو عدم الولي والحاكم، فولت مع خاطبها أمرها رجلا مجتهدا ليزوجها منه صح؛ لأنه محكم، والمحكم كالحاكم، وكذا لو ولت معه عدلا صح على المختار، وإن لم يكن مجتهدا لشدة الحاجة إلى ذلك، وهذا ما جرى عليه ابن المقري تبعا لأصله. قال في المهمات: ولا يختص ذلك بفقد الحاكم، بل يجوز مع وجوده سفرا وحضرا. انتهى.
وفيه نظر :
والجواب عنه : أن هذا ليس بتحكيم ، وإنما تزويج، والتزويج يكون من ولي واحد.
وأيضاً: المرأة لا تملك تزويجها لنفسها، فلا يكون عنها وكالة، لأن الفرع أضعف من الأصل.
7- قال النووي رحمه الله : " رَوَى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِذَا كَانَ فِي الرُّفْقَةِ امْرَأَةٌ لَا وَلِيَّ لَهَا، فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا حَتَّى يُزَوِّجَهَا، جَازَ".
وفيه نظر : فإن سقوط ولاية الولي للضرورة أو الحاجة الشديدة التي يوجد معها الحرج والمشقة الغير معتادة .
وأيضاً: فإن لا ولاية للأبعد إذا وجد من هو أولى منه وأقرب ، كوجود الأخ مع وجود الأب.
8 - قال القرطبي : " قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ الْحَالِ : إِنَّهُ يُزَوِّجُهَا مَنْ تُسْنِدُ أَمْرَهَا إِلَيْهِ ، لِأَنَّهَا مِمَّنْ تَضْعُفُ عَنِ السُّلْطَانِ ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَا سُلْطَانَ بِحَضْرَتِهَا ، فَرَجَعَتْ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْلِيَاؤُهَا " انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (3/76).
وجاء في " المحلّى" (11/30) : " وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها ، فولت رجلاً أمرها، فزوّجها ، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك ، المؤمنون بعضهم أولياء بعض".
وفيه نظر : لأنه لا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب إلا في حال الضرورة أو المشقة غير المعتادة .
إذ القاعدة في ذلك : المشقة تجلب التيسير ، فالمشقة المتجاوزة للمشقة المعتادة، فإن الشريعة تخففها حتى تصل إلى المشقة المعتادة .
وبناء على ما سبق ، فالذي يترجح عندي ، والعلم عند الله تعالى : أن المرأة التي ليس لها ولي ، أو لها ولي عضلها بدون سبب شرعي،ويترتب على رفعها للحاكم الشرعي مشقة فادحة :
إذا ولت أمرها لرجل من ثقات المسلمين ، مع وجود سلطان في البلد ، يصعب عليها توليته إياه ليزوجها ، لما يترتب على رفعها له من آثار نفسية ، وتعقيدات في الإجراءات، وتقاطع أسري، ولوم عظيم على المرأة من مجتمعها، والوقوع في عرضها، ووقوعها في الحرج الشديد بسبب ذلك الفعل .
فلها أن تولي في تزويجها : من له الكلمة الشرعية في مجتمعها كالمفتي، فإن تعذر ، أو وجد حرج شديد في تولية من له الكلمة في مجتمعها ، فأي رجل مسلم بالغ عاقل عدل ثقة .
والله أعلم .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق