حكم الذهاب للتكروني لجبر كسر الكسير :
————————-
أشتهر في زماننا من إذا حصلت له إصابة كسر ، ويحتاج إلى جبر ، أن يوجه إلى ما يسمى بالتكروني ، وهو متخصص في جبر العظام ، حيث يذهب المصاب إلى أحدهم ، ويأتي بشحم يدعي أنه شحم دجاج، ويقوم بسحب العظم أو تعديله ومسحه بهذا الشحم مع حصول تمتمة لا تفهم منه في الغالب ، ويبرأ بإذن الله تعالى من هذه الإصابة في وقت وجيز ، فهل يعتبر الذهاب لهم جائزة، أم أن هذا نوع من الاستعانة بالجن في الاستعانة بهم في جبر الكسير ، أم ماذا ؟
————
1 - منهم : من يقوم بعمل الجبيرة، ويقرأ القرآن أو الرقية الشرعية على المريض مع توصيته بالمسح عليه بدهن يأتي به للكسير مجرب في استفادة المريض في العادة به، فلا يظهر والحالة تلك من حرج .
2 - ومنهم من يتمتم بكلام لا يفهم عنه ، ويقوم بعلاج لم تجر العادة بجبران الكسير منه ، ويغلب على الظن أن ذلك بسبب استعانته بالجن .
فهذا يرجع إلى حكم الاستعانة بالجن المسلمين ، فجمهور العلماء على المنع منه، لكونه يتعامل مع من لا يعرف صدقهم من كذبهم ، وسداً للذريعة ، حتى لا يدعي أنهم مسلمون ، وهم كاذبون ، فلا يخدمونه إلا بالشرك والشعوذة ، ومنعاً لفتح هذا الباب الذي يكون سبباً لانتشار الشعوذة ، وادعاي علم الغيب .
وسد الذرائع معتبر في أدلة الأحكام الشرعية .
وهذا الذي يفعل ذلك منهم إذا كان عرف بالصلاح وادعى أنهم مسلمون، فهو في دائرة الإسلام مع وقوعه في المخالفة الشرعية في الاستعانة بهم ، فقد يصدقون معه ، ويعينونه على فعل مباح، وقد يكون خلاف ذلك .
وإذا كان رجلاً غير معروف بالصلاح ، ويستخدم الجن ، فإنه مشعوذ ولا يصدق ، ولا يجوز الذهاب إليه ، ويجب التحذير من فعله .
فإن الجن الكافرة لا تخدمه إلا إذا أشرك بالله رب العالمين عياذاً بالله تعالى من ذلك .
3 - القاعدة : الاستدلال بالعلامة ، والحكم بما دلت عليه مقرر في الشرع والعقل.
فقد جاء في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو إذا طلع الفجر ، فإن سمع أذاناً كف وإلا غزا)، فوجود الأذان علامة وقرينة على كون القرية مسلمة، وعدم وجوده دليل على كونها غير مسلمة .
فهذه التمتمة التي يقولها ولا يفقه القريب منه شيئاً منها، مع فعله المسح على الكسير بشحم دجاج ، وحصول جبر المصاب في وقت غير معتاد في الطب ، قرائن على أنه يستعين بالجن.
4 - الجن عالم غيبي ، وقد جعل الله لهم قدرة على التشكل ، فقدجاء أحدهم إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - على شكل رجل فقير ، وسرق من مال الزكاة، وقبض عليه أبو هريرة ، فما زال يشتكي له حتى أطلق سراحه، وفي المرة …. الحديث، والشاهد منه ، قوله صلى الله عليه وسلم ( صدقك وهو كذوب).
فقد يصدق الجني مع أن الأصل فيهم الكذب، وقد تحصل منهم الإعانة للإنس مع أن الأصل فيهم الإيذاء( الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس).، وهم عالم غيبي سخرهم الله تعالى لسليمان ، وجعل له سلطة عليهم
قال تعالى : ( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ).
فـ { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } فاستجاب اللّه له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.
فسليمان عليه السلام سلطه الله على الجن ، وسخرهم له ، وجعل له سلطة عليهم ، ففرق بين هذا وبين مجرد إعانتهم للآدمي،فمجرد الإعانة من الجني للإنسي ليست خاصة لسليمان عليه السلام .
وكيفية هذه الإعانة إما بعرضهم عليه، وإما باتفاق بينهم وبينه في خدمة بعضهم لبعض قد يكون بطريق مشروع أو غير مشروع ، وسداً للذريعة وحصول ما لا يعرف ، وكون غالبهم على نهج غير سوي منع من الاستعانة بهم سداً للذريعة - كما سبق- ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) أي الجائرون الظالمون .
5- قال تعالى : (﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
{ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ }- أي: تمتع كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفع به.
فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته، وتعظيمه، واستعاذته به.
والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجِنّي له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجِنّي، فيخدمه الجِنّي، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية،.
والله أعلم .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق