حكم مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون :
—————————-
المسألة:
هل تجوز مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه ؟
قال ابن القيم:
اختلف الفقهاء في الضمان، هل هو تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه .
أو هو استيثاق بمنزلة الرهن؟
على قولين، وهما روايتان عن مالك، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه.
فمن قال بالقول الأول - وهم الجمهور - قالوا: لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما على السواء، .
ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه .
واحتج هؤلاء بثلاث حجج:
إحداها: أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرع مع أصله ولا يرث معه.
الحجة الثانية: أن الكفالة توثقة وحفظ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها الشارع مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضمين. ولهذا كثيرا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما.
الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التوى والهلاك، ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته والتمكن من مطالبته.
والناس يستقبحون هذا، ويعدون فاعله متعديا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عوناً له عليه، وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح.
وهذا القول - وهو رواية ابن القاسم عن مالك - له حظ كبير من النظر، وهو قول قوي ،
ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة : ( حق الغريم وبريء منهما الميت) فإن الذمة ههنا انشغلت بأحدهما دون الآخر ، وذلك بإبراء الضامن المضمون .
وأما حديث ( الزعيم غارم) في سنن أبي داود فعلى فرض صحته: الضامن غارم عند تعذر الحق من المضمون عنه .
مع أن رأي الجمهور مأخوذ من ضم ذمة إلى ذمة ، فيكونان كالذمة الواحدة ، يطالب من شاء منهما .
فالضمان مشتق من الضم ، فالضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنهفي التزام الحق فيثبت في ذمتمها جميعاً.
وقيل مشتق من التضمين : ، ومعناه : تضمين الدين في ذمة الضامن . ، وقيل : من الضمن .
والجواب : أن هذه دلالة لغوية، والدلالة الشرعية مقدم على الدلالة اللغوية، وفي حديث أبي قتادة السابق دليل على أن الذمتين لم تنشغلا معاً حتى يتم سداد الدين، بل لأحدهما أن تشغل ذمته دون الآخر .
فتبقى ذمة الأصل مشغولة ولا يصار إلى البدل حتى يتعذر الاستيفاء من الأصل ، أو يبريء الضامن المضمون عنه ، فإن تعذر الاستيفاء من الضامن رجع على المضمون عنه كبقية عقود الاستيثاق، والله أعلم .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق