حكم التعزير بأكثر من عشر جلدات :
هل عقوبة شرب الخمر حدية أو تعزيرية:
حكم قتل شارب الخمر في الرابعة :
——————-
لا يجوز الجلد بأكثر من عشر جلدات في غير الحدود - العقوبات المقدرة شرعاً-، وبه قال جمع من فقهاء الشافعية ، ورواية عن الإمام أحمد ، وذلك للأسباب التالية :
1 - لما في الصحيحين من حديث أبي بردة الأنصاري مرفوعاً:( لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى ).
2 - كلمة :( حد ) الوارة في الحديث ، تحتمل معنيين :
أ - تحتمل : العقوبات المقدرة شرعاً، كحد الزنا، ، ومنه حديث أنس في الصحيحين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر ، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال : وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال عبدالرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ، فأمر به عمر ).
فإن قلنا : إن عقوبة شرب الخمر حدية ، فلا يعارض حديث أبي بردة السابق ، سواء قلنا أربعين ، ويشكل عليه الحديث السابق ( نحو أربعين )، أو قلنا انعقد الإجماع على كونها عقوبة حدية ( ثمانون ) كما حصل في عهد عمر ، وإنما الإشكال في القول : بأن عقوبة شرب الخمر تعزيرة ، كما في البخاري من حديث أبي هريرة قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب ، قال :( اضربوه )، قال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله ، والضارب بثوبه ).
والجواب : أن الإجماع انعقد في عهد عمر - رضي الله عنه - بكونه ثمانين، والجد بنحو أربعين كان قبل حديث أبي بردة ، لكونه ناقلاً عن الأصل ، في تحريم الجلد فوق الأربعين إلا في حد من حدود الله تعالى ، أو يقال : الجلد في شرب الخمر مستثنى من الأصل في عدم الزيادة على عشرة أسواط ، أو يقال : الأصل عدم الزيادة في التعزير عن أشواط أسواط إلا في الحدود ، أو ما دل الدليل على استثنائه ، فلا تعارض بين عام وخاص.
ب - ويحتمل أن المراد بكلمة :( حد) في حديث أبي بريدة السابق: محارمه من ترك واجب أو فعل محرم ،( تلك حدود الله فلا تعتدوها)
( تلك حدود الله فلا تقربوها ).
والقاعدة في ذلك : أن اللفظ إذا كان يحتمل أكثر من معنى بحسب أوضاع متعددة - كما هو الشأن ههنا - لم يحمل على جميع تلك المعاني، ولا يحمل على إحداها إلا بدليل أو قرينة.
فإن لم يوجد رجعنا للأصل الأقل، وهو ههنا ، المعنى الأول : عقوبات مقدرة شرعاً، فلا يجوز الزيادة على عشر جلدات في التعزير إلا في الحدود أو دليل خاص في شيء معين .
3 - ولأن القاعدة : اللفظ يحمل على الأعم الأغلب في استعماله، لا على القليل والنادر.
وحمل الحديث على تأديب المعلم للصبيان ، والوالد لولده في التأديب الذي ليس فيه تجاوز شرعي من حمل اللفظ على القليل والنادر لا من باب حمله على استعمالاته ، وهو في التعزير في حدود الله تعالى : العقوبات المقدرة شرعاً.
4 - الحديث ورد بصيغة القصر التي طريقها النفي والاستثناء ، وهذا من أبلغ صيغ القصر .
5 - ما ورد من تعزير شارب الخمر في الرابعة بالقتل ، كما في حديث معاوية عند الإمام أحمد :( ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه )، فإنه منسوخ ، وقد حكى ابن المنذر والنووي الإجماع : على لا يجب قتل من شربه في الرابعة .
وقدجاء عند أبي داود من حديث قبيصة بن ذؤيب :وفيه :( فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده ، ورفع القتلوكانت رخصة ).
وفي قصة ابن النعيمان وهو عبدالله الذي كان يلقب حماراً. وفيه : فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ، - وهو الشاهد - فقال صلى الله عليه وسلم :( لا تلعنوه ، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ففيه ما يدل على نسخ قتل شارب الخمر في الرابعة ، مع كثرة ما يؤتى به، وهو على هذه الحال .
6 - قوله صلى الله عليه وسلم :( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً يصلي بالقوم ، ثم أذهب برجال معي معهم حزم من حطب ، فأحرق على أناس لا يشهدون الجماعة بيوتهم ).
هذه عقوبة تعزيرة ، ويشكل عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها، ثم جاء في الحديث:( لا يعذب بالنار إلا رب النار ).
ثم على فرض جوازها ، فهي عقوبة تعزيرية بغير الجلد، كما يمكن أن يقال : إنها من الأمور المستثناة من حديث أبي بردة السابق بدليل خاص.
وكذا يقال في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عند أبي داود والنسائي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن سئل عن الثمرالمعلق ، فقال :( من أصاب بفيه من ذي حاجة - فقر واضطرار، أو مطلق الحاجة ولو كان غنياً، وهو الأقرب- غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين - موضع التجفيف- فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ).فعلى فرض صحته ، فهو خاص لا يعارض حديث بريدة العام ، أو هي عقوبة تعزيرية بغير الجلد،
7 - جلد عمر في الخمر ثمانين : سبق الجواب عليه .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.
كلية الشريعة - جامعة أم القرى - مكة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق