1 - حديث:( الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب )
وهو حديث معلول، مع أن جمع من أهل العلم قالوا بتحسينه .
وكل عات متمرد من الإنس والجن يسمى شيطان ، كما قال تعالى :( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً).
فلا يلزم من كلمة شيطان أن يكون عاصياً، وإن أفادت العصيان أحياناً، وفي الحديث:( إن تفرقكم في هذه الشعاب من الشيطان ) أي من عمله وصفاته أو وسوسته .
وهذا الحديث على فرض صحته يدل على كراهة الوحدة فيما يخشى المرء فيه على نفسه ، من ضعف وهلكة ومشقة ، أو ما يخشاه من إغواء الشيطان وإضلاله ، فإن الفائدة من وجود الرفقة والصحبة الصالحة لا تقتصر على الإعانة والمساعدة ، بل الأهم أنها تثبت على الخير والتقوى ، فإن الشيطان من الإثنين أبعد .
يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (6/53) : " وترجم له ابن خزيمة : " النهي عن سفر شق الاثنين وأن ما دون الثلاثة عصاة " ؛ لأن معنى قوله ( شيطان ) أي : عاص . وقال الطبري : " هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة ، وليس بحرام ، فالسائر وحده في فلاة وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش ، لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف . والحق أن الناس يتباينون في ذلك ، فيحتمل أن يكون الزجر عن ذلك وَقَعَ لحسم المادة ، فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك ،
وقيل في تفسير قوله : ( الراكب شيطان ) أي سفره وحده يحمله عليه الشيطان ، أو أشبه الشيطان في فعله ، وقيل إنما كره ذلك لأن الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه ، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه ، بخلاف الثلاثة ، ففي الغالب تؤمن تلك الخشية " انتهى . والظاهر من الحديث أن النهي وارد على من يسافر في الطرق الخالية الموحشة ، أما الطرق الآهلة ، والتي يأمن فيها المرء ألا تنقطع به السبيل ، ولا يعدم معيناً ولا أنيساً ، فلا يرد الكراهة ولا النهي عنه ، ومثله السفر في أيامنا هذه في الطائرات أو السفن أو الحافلات ، لأن من فيها كلها يعتبرون رفقة ، فلم يتحقق وصف الوحدة المنهي عنه . .
2 - في صحيح البخاري، حديث مالك بن حويرث: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في نَفَرٍ مِن قومي، فأقَمْنا عنده عشرين ليلةً - وكان رحيمًا رفيقًا - فلما رأى شوقَنا إلى أهلينا قال: ((ارجِعوا فكونوا فيهم، وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرتِ الصلاةُ فليُؤذِّنْ لكم أحدُكم، وليَؤُمَّكم أكبرُكم))؛ ا.ه
ففيه دليل على جواز سفر الإثنين ، ويحمل حديث النهي عن الوحدة في السفر على الكراهة ، أو في حال خوف الإنسان ، وخشيته من الضرر على نفسه .
وكذا في الحديث الأول من كونهما شيطانان على فرض صحته .
3 - روى البخاري ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ ) ). وقد أخرج الإمام أحمد في "المسند" هذا الحديث بزيادة فيها : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ ) إلا أن هذه الرواية تعتبر شاذة ، وترجح عليها رواية البخاري لسببين اثنين :
أ- أن رواية البخاري رواها تسعة من أصحاب عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر . كلهم يقتصر على ذكر السفر دون المبيت ، وانفرد واحد من تلاميذ عاصم بن محمد وهو عبد الواحد بن واصل بذكر النهي عن المبيت وحده . وهو وإن كان ثقة ، إلا أن رواية الثقات أرجح من روايته . ب- ويدل عليه أن رواية أحمد مروية بالمعنى ، إذ لم يذكر الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، بخلاف رواية الأكثرين . ولذلك حكم محققو مسند أحمد (9/467) ومثلهم الشيخ مقبل الوادعي في "أحاديث معلة" (249) بشذوذ رواية عبد الواحد . بخلاف الشيخ الألباني حيث حكم بصحتها ، كما في "السلسلة الصحيحة" (60) وقد ورد النهي عن مبيت الرجل وحده مرسلا عن عطاء ، كذا رواه أبو داود في "كتاب المراسيل" (380) وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/726) وروى الطبراني في "الأوسط" (2079) من طريق محمد بن القاسم الأسدي عن زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل أبدا ، ولا نام رجل في بيت وحده ) إلا أنها رواية مردودة بسبب محمد بن القاسم الأسدي ، لأنه متهم بالكذب . كما جاء النهي عن المبيت وحيدا في بعض الآثار الصحيحة : فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : " لا يسافرن رجل وحده ، ولا ينامن في بيت وحده " انتهى . صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1/130)
@ تنبيه : كلمة ( بليل) من جملة :( ما سافر بليل) تشير إلى أن الليل المخاوف فيه أكثر بخلاف النهار ، حيث تشير هذه الكلمة إلى علة النهي من السفر ليلاً ليس معه أحد .
أ.د. محمد بن سعد المهلهل العصيمي.






