إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأرشيف

نبذه قصيرة عني

الشيخ د.محمد بن سعد هليل العصيمي-حفظه الله

الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى - بمكة المكرمة - بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية

آخر المـسـائـل

اخر المواضيع

اخر المواضيع

المشاركات الشائعة


حكم مزاحمة السيارات الخاصة للسيارات المخصصة لنقل الركاب:
--------
الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، لقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه).

وعلى هذا يجوز أن يعمل الإنسان على سيارته الخاصة به تأجيراً، ولا يعارض ذلك وجود سيارات أجرة خاصة.

١- فإن قيل: إن هذا يعارض  تقييد الإمام للمباح، والإمام قد قيد ذلك: بأن تأجير السيارات خاص بالسيارات التي رخص لها بذلك، كسيارات التكاسي ونحوها.

والجواب: أن الإمام ليس له أن يحرم ما أباح الله تعالى، وإنما له تقييد المباح فيما مصلحته أعظم في حالات معينة وخاصة لا مطلقة ولا عامة: (قل أأنتم أعلم أم الله).

وعليه لا يجوز للإمام تحريم المباح أو إيجاب فعله، أو تقييده بإذنه كتشريع عام، وإنما يجوز له التدخل بالمنع أو الإلزام في بعض أفراد المباح، وفي حالات مخصوصة بهدف تحقيق مقصد شرعي من ذلك، لأن الإباحة حكم من خالق العباد وربهم، ومتى ثبت بالدليل الشرعي إباحة الفعل فليس لمخلوق المنع أو الإلزام به على وجه العموم والإطلاق.

وبناء عليه: لا حرج على الشخص في أن يعمل على سيارته الخاصة كأجرة لرفع مستواه المعيشي، ولو منعه الإمام.
لأنه من قطع أرزاق الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، رواه مسلم.

٢- فإن قيل: إن منع الإنسان في المطارات خاصة متوجه، لأن المكان ملك للمستثمر، أو أحياه ولي أمر المسلمين من بيت مال المسلمين، فلا يتصرف فيه أحد إلا بإذنه.

فالجواب: أن المستثمر والإمام ليس له التصرف المطلق، في كل ما كان بحوزة هذا المكان، فوجود الشيء في المكان الذي أحياه، لا يعني أنه يملك كل الذوات والأعيان والتصرفات، قال تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون)، فيجوز دخول البيت الذي لكزفيه متاع لكم، ولا يمكن استئذان أهلها لعدم تضررهم، وليس لأهلها منعكم منها إذا لم يكن عليهم في ذلك ضرراً.
والانتفاع مما ينتفع به المسلم ولا يضر غيره، لا يجوز منعه منه، لحديث أبي هريرة: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره).
فإن قيل: إن هذا يتضرر، لأنه يأخذ على المرخص لهم بأخذ الركاب مالاً مادياً، فلو جاز لغيرهم لتضرر.

فالجواب: أن هذا الضرر مهدر، لأنه يأخذ عليهم رسوماً غير مشروعة، فهو لا يؤجرهم ما أحياه، ولكنه يمنعهم من الانتفاع الذي سبقوا إليه إلا بأجرة، وفرق بين المنفعة والانتفاع، فالمنفعة مملوكة، والانتفاع غير مملوك، فأصحاب السيارات لا يستأجرون المكان المحيا، وإنما يمنعون من أخذ الناس إلا برسوم مادية.
ففرق بين الانتفاع بالمملوك، ومنفعة المملوك -كما سبق في القواعد: الفرق بين المنفعة والانتفاع-.
فأخذ الركاب من المطار: انتفاع، وليس منفعة مملوكة.

ثم إن هذا الضرر إنما لحقهم بسبب الأحتكار الممنوع، ودفع الاحتكار أولى، فليست مضرة الركاب أولى من مضرة أصحاب الأجرة (دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض) فدفع مضرة الاحتكار المحرم، أولى من دفع مضرة من تضرر بسبب عدم الأحتكار، (لا يحتكر إلا خاطيء).

٣- فإن قيل: إن هذا فيه معنى تلقي الركبان، لأن من أهل السيارات الخصوصي من يدخل إلى الصالات الداخلية، ويعرض أسعاراً  أقل من سعر سيارات الأجرة في مكانها.

فالجواب: أن في تلقي الركبان ضرراً على صاحب السلعة، ولهذا جعل له الخيار إذا أتى السوق، (فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). بينما هذا ينتفع الطرفان ولا مضرة على الزبون ولا على صاحب السيارة فكلاهما منتفع.
بل بو قيل بأن منع السيارات من التأجير للركاب إلا من أصحاب السيارات المرخص لها  -كسيارات الأجرة- من الاحتكار لكان وجيهاً.
وذلك أن الاحتكار: حبس السلعة من البيع إرادة الغلاء.
وفي الحديث: (لا يحتكر إلا خاطيء) والخاطيء: فاعل الإثم عن عمد.
وهؤلاء يمنعون غيرهم حتى يكون الركاب لهم، ثم يرفعون عليهم السعر كيفما أرادوا، ولا يجعلون الناس يرزق الله بعضهم من بعض.

٤- فإن قيل: إن في ذلك بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سوم أخيه.

فالجواب: أن هذا فيما اتفق المؤجر والمستأجر على ثمن معين، أو ركن بعضهم إلى بعض، ثم جاء الآخر، وقال: عندي هذا المشوار أو هذا العمل بثمن أقل منه، فحينئذ يكون من بيع المسلم على بيع أخيه، أو سومه على سوم أخيه.
وعليه: فلا يجوز لصاحب السيارة الخاصة أن يأتي لمن اتفق معهم صاحب الأجرة المرحص له، ويقول للراكب: أوصلك بأجرة أقل.

٥- فإن قيل: إن هذا فيه تعد على حق المسلم، وحقوق المسلمين معتبرة، فهؤلاء المرخص لهم يأتون بترتيب معين، الأولوية للأول فالأول، ويأتي غير المرخص له، ويأخذ حقهم في هذا الترتيب. (كل المسلم على المسلم حرام...).

والجواب: أن هذه الأولوية تكون لمن التزم نظامهم، وأخذ بمقدار أجرتهم، فتكون الأولوية للأول منهم فالأول، وأما من لم يلتزم بأجرهم، ولا بمكانهم ولا بنظامهم.
فلا أولوية لهم عليه ولا عليهم، فمكانه غير مكانهم الذي اصطفوا فيه، ومقدار الأجرة مختلف عنهم، وليس بينه وبينهم رابط يلتزم فيه معهم، وهم كذلك.
أما من اصطف معم والتزم أجرتهم ونظامهم فالأحقية للأول فالأول.

كتبه / أبو نجم / محمد العصيمي.

قاعدة: يجب العمل بالعام قبل البحث عن مخصصه.

لأن اللفظ موضوع للعموم، فيجب العمل بمقتضاه، فأن اطلع على مخصص عمل به، فلا تعارض بين عام وخاص.

ولأن الظاهر يعمل به، وتقدم أنه إذا تعارض الأصل والظاهر، قدمنا الظاهر، فكيف وقد تظافر الأصل والظاهر على العمل بالعام قبل البحث عن مخصصه.
والعموم ظاهر في شمول جميع الأفراد.

ولأن الأصل عدم المخصص، والقاعدة: الأصل في الأمور العارضة العدم.

ولأن الصحابة الذين نزل عليهم التشريع يعملون بالعام عند وجوده، ولا يتوقفون بالعمل به حتى يبحثوا عن المخصص، وذلك في وقائع كثيرة.

وقيل: لا يجوز اعتقاد عمومه، ولا العمل به حتى يبحث عن مخصص بحثاً يغلب به على الظن عدم وجوده، لأنه قبل البحث محتمل للتخصيص.

والجواب:
١- ليس كل احتمال معتبر.
٢- ولأن العمل بالعام عمل بدليل، فلا يجوز تركه حتى نعلم عدم وجود ما يخصصه، ولا يستساغ ذلك لغة، فإن السيد لو قال لعبده: أكرم الطلاب، فلم يكرمهم، لاحتمال تخصيصه لبعضم، لاستحق العقوبة.
٣- ولأن الأصل في الأمر الفورية، فإذا جاء الأمر عاماً، وجب العمل به فوراً، ولا يجوز التراخي فيه، لاحتمال تخصيصه.
والله تعالى أعلم.

كتبه / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة/ جامعة أم القرى / مكة المكرمة.

حكم الشرط الجزائي:

-------
صورته: أن يكون بين أحد المتعاقدين في عقود المعاوض شرطاً عند تأخر أحدهما عن الوقت المحدد تكون عليه غرامة مالية.
فمثلاً: إذا شرط على المقاول عند تأخره عن انهاء المشروع بعد سنة، يكون عليه غرامة مالية خمسة الآف ريال عن كل شهر.

فالشرط الجزائي: 

١- إذا ترتب عليه حصول ربا، فهو حرام. كان يقال: إذا لم تدفع المبلغ المستحق في ذمتك بعد سنة، فعيك غرامة مالية زائدة عن المستحق بخمسة الآف ريال.

٢- وإذا كان سبب التأخر يعذر فيه شرعاً فله حكم الجائحة، ولا ينفذ الشرط.
فإذا تاخر من شرط عليه الشرط الجزائي لما يعذر فيه شرعاً، فإنه يكون معذوراً لوجود العذر حتى ينتهي عذره، ولا يستحق العقوبة والحالة تلك، لأنه في حكم الجائحة.
والجائحة: هي ما لا يمكن دفعه، ولا تضمينه، إذا أتلف العوض، أو أنقص، قبل التمكن من القبض.
وفي الحديث: أمر بوضع الجوائح.
وفي الحديث أيضاً: (أرأيت إن حبس الله الثمرة عن أخيك، بأي حق تستحل ماله).

٣- وإذا كانت الغرامة بشيء فاحش عرفاً، فهي في حكم الغبن، ويقدر بمثل ما لحق المتضرر من الضرر.
وفي الحديث: (إذا بعت، فقل: لا خلابة) أي لا خديعة. ولأن الفاحش عرفاً مما لا يرضاه المسلم لنفسه فلا يرضاه لغيره. ولأنه من الضرر والإضرار، وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار).

٤- وإذا لم يكن فاحشاً ولا عذر له في التأخر، ولا يترتب عليه ربا: كان نافذاً.
وذلك لأنه أخذ للمال في مقابلة الضرر المادي.

ووجوه أخذ المال في الشرع أربعة فقط.
أ- مقابلة عمل مباح.
ب- مقابلة مال لا حرمة فيه، كما في المضاربات الشرعية.
ج- ضرر مادي، وفي الحديث: (وفي الموضحة خمس من الإبل).
د- مقابلة ضمان لا يؤول إلى ربا.
مع منع جماهير أهل العلم منه، وحكي الإجماع على عدم جوازه، وفي حكاية الإجماع نظر، وفي الحديث: (الخراج بالضمان) فدل على جواز أخذ المال مقابل الضمان، وفي الحديث الآخر: (نهى عن ربح ما لم يضمن). وقد سبق شرح ذلك بأدلته.
والله  تعالى أعلم.

كتبه /أبو نجم : محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى.

حكم قول: جار الزمان علينا.  

المراد: أي وقع عليك جور وظلم.
والقاعدة: حذف ما يعلم جائز.
وهذا يقع في الأيام، وقوع المظروف في الظرف.
وفي الآية: (هذا يوم عصيب) أي بسبب ما وقع عليه في ذلك اليوم من الصعوبة. وهذا لا بأس به.

فإن قيل: الأصل في الكلام عدم الإضمار، وفرض العمومات في المضمرات لا يجوز.

فالجواب: أن المضمر إذا كان معلوماً بدليل أو قرينة حمل عليه.
وأما  إذا كان المقصود سب الأيام فهذا سب للدهر، ولا يجوز (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر).

وأما  إذا كان المقصود: نسبة الفعل للأيام، وأنها خالقة للحوادث: فهدا شرك أكبر، ولا خالق إلا الله وحده لا شريك له.
وإذا كان المقصود بذلك التسخط والتجزع مما وقع له فيها مما يكرهه، فهذا محرم ولا يجوز، لأنه يستخط من القضاء والقدر فيها، وفي حديث جبريل: (تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الإخر وبالقدر خيره وشره).

وأما إذا كان المقصود وصف الأيام لما حصل له فيها من أشياء سيئة خبراً لا سباً ولا تسخطاً فلا بأس بذلك.
قال شيخنا ابن باز رحمه الله: (وينبغي أن يُعلم أن وصف الأيام بالسوء أو بالنحس أو بالسواد أو بالظلمة ونحو ذلك مما فيه إضافة للعبد أن هذا ليس من سب العبد، كما يقال مثلاً: هذا يوم نحس، أو هذا يوم أسود وهذه أيام مظلمة أو سنة مظلمة وأشباه ذلك، هذا وصف وليس من السب فهو وصف لتلك الأيام بالإضافة إلى من حصل له فيها أشياء سيئة وهذا كما قال جل وعلا: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)(القمر: من الآية19)، وكما قال جل وعلا: (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ) (فصلت: من الآية16). ووصف الأيام بالنحس والسوء أو الإظلام أو يوم أسود أو نحو ذلك بقصد أنه بالنسبة للقائل هو كذلك، أي حصل له فيه سوء فهذا لا بأس به لأن الشر ليس إلى الله جل وعلا وإنما هو قد يضاف إلى العبد فيكون يوم نحس بالنسبة للعبد، يوم سوء بالنسبة للعبد وهكذا .ا.هــ.

فإن قيل: ما لا يحتاج إلى إضمار أولى مما يحتاج إلى إضمار.
ولهذا ينكر على قال: والكعبة، فإذا أنكر عليه، قال أقصد: ورب الكعبة.

فالجواب: 
١- أن اللفظ: والكعبة، قسم بها، هذا لفظ في ذاته محرم، فلا يدخل معنا في القاعدة.

٢- أن الإضمار لا يكون إلا في حال الاضطرار، فلا يستقيم الكلام إلا بالإضمار، فعند ذلك، ينظر إلى المحذوف المضمر، فإن كان المعنى معلوماً بدليل أو قرينة: حمل عليه.
وإن لم يكن معلوماً، ينظر فإن كان المضمر يحتمل معان متعددة بحسب وضع واحد: حمل على جميع تلك المعاني.
وإن كان بحسب أوضاع متعددة، لا يحمل على أحدها إلا بدليل أو قرينة. والله تعالى أعلم.

* أليس الأصل في مثل هذا اللفظ المنع إلا إذا دل دليل أو قرينة على منعه ، ويؤيده ما جاء في الحديث، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة في الحديبية على إثر مطر، فقال: قال الله تعالى: (أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكواكب، وكافر بي مؤمن بالكواكب، أما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب).
ولم يفصل  كما سبق، بل أطلق.
وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال.

فالجواب: أن الصحابة لما قال لهم ذلك ، بلا شك أنهم لا يعتقدون أن النوء هو الخالق والموجد  للمطر، وقد قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم).
ولم يكن ذلك من إضافة الشيء إلى زمنه، أي نزل المطر في زمن النوء وكذا وكذا، وإنما الأعم الأغلب في إطلاقهم: إرادة كون ذلك النوء سبباً في نزول المطر، وكل من اعتقد سبباً لم يجعله الله سبباً لا شرعاً ولا حساً فقد أشرك شركاً أصغر.
والقاعدة: اللفظ يحمل على الأعم الأغلب من استعمالاته عند الإطلاق، لا على القليل والنادر.
والقاعدة: العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام.
وعلى هذا يقول: قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا، محمول على عرفهم عند وجود النص في عصر النبوة، والله تعالى أعلم.

أبو نجم/ محمد بن سعد العصيمي / كلية الشريعة / جامعة أم القرى.

حكم التوكيل أو الإنابة في طواف الإفاضة:
-----
يجوز بشروط:
١- أن يكون المحرم بالحج أو العمرة عاجزاً عن ذلك، ولو كان في المستقبل ما لم يخش فوات الوقت المحدد لتلك العبادة.
٢- أن لا يوجد من يحمله ليتمم تلك العبادة، ما لم تكن عنده قدرة على تلك الأجرة، أو لا يوجد من يحمله لتميمم ذلك النسك إلا بأجرة غير معتادة.
وذلك:
١- لحديث الخثعمية في صحيح البخاري: أن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحة، أفأحج عنه، قال: نعم.
والقاعدة: ما ثبت في الكل، ثبت في الجزء إلا بدليل.
والقاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور.

٢- ولقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم).
والقاعدة: كل من فعل ما أمر به بحسب استطاعته، فلا إعادة عليه -ولا إثم عليه-.

٣- ولأن الحج من لم يستطعه ببدنه، وجب عليه بماله -ما لم يسقط الفاعل حقه- فهو عبادة بدنية ومالية، فإذا عجز ببدنه، ولم يمكنه إلا بماله تعين عليه ذلك.
مع العلم بأن النيابة عن الجزء في الحج لا تكون إلا لمحرم، لأن غيره لا تتأتى منه، لعدم وجود الإحرام، فما لم يكن مشروعاً في الأصل، لم يكن مشروعاً في الفرع.

٤- ولأن النيابة في الرمي مشروعة عند وجود المقتضي وانتفاء المانع، فكذا في طواف الإفاضة، بجامع أنها جزء من النسك.

وذهب جمع من العلماء: أنه إذا لم يتأت  له ذلك ولو بعد حين، أو حين في انتظاره مشقة فادحة خارجة عن العادة، فهو محصر، وله حكم المحصر، فإن لم يشترط فعليه أن ينحر هديه، ويحلق رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبة.

وذلك بناء على ان طواف الإفاضة ركن، والركن لا تقع فيه النيابة.
والجواب: أن النيابة تقع في أصل الحج مع أركانه، فمشروعيته في الجزء من باب أولى ، وخصوصاً أنه قد وردت آثار كثيرة في مشروعية النيابة الجزئية في الحج، فما ثبت في جزء من الحج  ثبت في غيره من الأجزاء ما لم يدل الدليل على منعه.
وبهذا يترجح القول الأول، والعلم عند الله تعالى.

أبو نجم / محمد بن سعد العصيمي.

حكم قطع النسل:

حكم تحديد النسل:

الفرق بين قطع النسل، وتحديده:

---------
من أهل العلم من منع قطع النسل، إلا لحاجة أو ضرورة، ومنع ما أشبه قطع النسل، كمنع النسل مؤقتاً من غير حاجة أو ضرورة...
-فمنع الإنسان من الإنجاب مطلقاً يسمى قطعاً  للنسل، ومنعه مؤقتاً، يسمى تحديداً للنسل-.
وذلك للأدلة التالية:

١- قوله صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)
ففيه دليل على أن من مقاصد الشريعة التكاثر، لما فيه من تقوية الأمة، وهيبتها.

والجواب: أن المقصود يحصل بعموم الأمة، وقطع النسل من بعضها لا ينافي حصول الجملة، ولهذا لا يجب النكاح ما لم يكن له سبب يقتضيه على الأرجح، لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}
فجعل ملك اليمين بدلاً للنكاح، وملك اليمين لا يجب بالإجماع فكذا ما جعل التخيير فيه بدلاً عنه. وكذا يجوز تزوج المرأة العقيم مع تحقق عدم الإنجاب منها، مما يدل على أن الأمر للاستحباب أو الخطاب لمجموع الأمة التي يحصل به المقصود الشرعي، ولا يتعين على أفرادها إلا إذا نقص عن  تحقق المقصد الشرعي، فيكون المقصود العمل لا العامل، كالفرض الكفائي.

٢- ولقوله تعالى عن شعيب عليه السلام: (واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم).

والجواب: أن هذا امتنان من الله تعالى على قوم شعيب، بالقضاء الكوني، وليس فيه الأمر الشرعي بالكثرة، وعلى فرض ذلك فحصوله بالأمر بسببه على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
* والقاعدة: شرع من قبلنا شرع لنا، إذا ثبت أنه شرع لهم في شرعنا، ولم ينسخه شرعنا. وههنا ليس فيه تشريع لهم وإنما امتنان من الله بما فعل بهم من تكثيرهم، فيكون مستحباً لنا فعل الأسباب التي تؤدي إلى تكثيرنا، ولا يجب.
* ولأن مقصود الشرع يحصل بمجموع الأمة، ولا ينافيه مخافة بعض أفرادها.

٣- ولقوله تعالى ممتناً على بني إسرائيل: (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا).

والجواب عن الاستدلال بالآية: كما سبق في الدليل الذي قبله.

٤- أن في مقصود الشرع التكاثر، وفي القول بجواز القطع من أفرادها يؤدي إلى منافاة مقصوده، فيمنع منه سداً للذريعة.

والجواب: أن القول بسد الذرائع مشروط بغلبة الظن بحصول المحظور، ومنع أفراد منها أنفسهم من التناسل لا ينافي حصول مقصود الشاع بالتكاثر إلا تخيلاً ووهماً، وفي الحديث: (إن الله إذا أراد شيئاً خلقه). (إنا كل شيء خلقناه بقدر).

٥- أن في جواز قطع النسل منافاة للضرويات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها.

والجواب: أن هذا المقصود يحصل بالمجموع فلا يحرم على الفرد إلا إذا أدى ذلك إلى قطع نسل مجموع الأمة. ولهذا لم يحرم العزل كما سيأتي بيانه.

٦- ولقوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها)، ولحديث: (نهانا عن التبتل ولو لم ينهنا لتبتلنا).
وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي قال: أما أنا فلا أتزوج النساء: (من رغب عن سنتي فليس مني).

فالجواب: ليس كل تبتل منهي عنه، فما لم يكن مخالفاً للشرع، فلا بأس به، وذلك أن التبتل ينقسم إلى قسمين:
ممنوع: وهو الانقطاع للعبادة على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم. سواء كان ذلك بالتشدد والتعمق، أو التعبد لله بما لم يشرعه الله تعالى، أو نحو ذلك. وعليه تحمل الآية: (ورهبانية ابتدعوها) وحديث: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وحديث: (نهانا عن التبتل) الذي هو على غير وفق الشرع المطهر.

ومن التبتل ما هو محمود: وهو الانقطاع للعبادة على وفق شرع الله تعالى. ومنه قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً).

وبعد هذا العرض فالذي يترجح في نظري والعلم عند الله تعالى أن قطع النسل بما لم يحرم فعله شرعاً -كالعزل مطلقاً، أو ضرب إبرأة تمنع من الإنجاب مطلقاً- لا عن طريق الاختصاء، جائز شريطة أن لا يصل إلى حد منع التناسل في الأمة، كمنع الأمة من التناسل، أو منعها مما يؤدي إلى تقليلها، أو منع الفرد أو الأفراد لسوء الظن بالله لعدم رزقهم، فإنه يحرم والحالة تلك.

ومما يؤيد ذلك بالشروط السابقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العزل، فقال: (إن الله إذا أراد شيئاً خلقه). ولم يفرق بين كون ذلك لحاجة أم لا، ولم يفرق بين كونه مؤقتاً أو مطلقاً. ويشترط في العزل إذن الحرة، لحديث: (لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها).
 وأما الامة فيجوز عنها العزل مطلقاً، وهذا دليل على جواز اتفاق الزوجين في عدم الإنجاب مطلقاً، لأن الإذن في الشرع جعل لهما.
ولو كان محرماً لما جاز بإذن المخلوق، وكل ذلك بما سبق بيانه مما لم يترتب عليه محذوراً شرعياً.
ولأن المقصود من النكاح ليس الإنجاب فقط.
فهناك مقاصد أخرى كالعفة والمودة، وغيرهما.
وعلى هذا يجوز نكاح الوناسة: وهما من تزوجا وليس عندهما شهوة النكاح، وإنما من باب الاستئناس ببعضهما، وتبادل الأحاذيث الودية بينهما، وغالباً يفعله كبار السن الذي لاقوة لهما بدنية على الجماع. والله تعالى أعلم.

كتبه/ محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة/ جامعة أم القرى/ مكة المكرمة.

حكم تخفيف القراءة في صلاة الفجر في السفر:

-------
حكى ابن عبدالبر: الإجماع على استحباب تخفيف القراءة في الصلاة في السفر.

ويسند ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (أفتَّان أنت يا معاذ، إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف).
وهذا يشمل السفر وغيره.
ولأن السفر قطعة من العذاب، فيحتاج فيه المسلم إلى التخفيف أكثر من حال الإقامة.
ولأن الشرع خفف عنه في الواجب، كجواز قصر الرباعية، والفطر في رمضان له، فالتخفيف في المستحب من باب أولى.

والقاعدة في ذلك: أن المشقة غير المعتادة على الغير غير جائزة.
لما فيها من الضرر، وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار). والعبرة بالمراعاة لحال الضعيف وذي الحاجة والمريض ممن يصلي خلف الإمام، للحديث: (واقتد بأضعفهم) فالنظرة بمراعاته في المسحب معتبرة.

* وكل ما ورد في السنة من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بالناس يعتبر من باب التخفيف، وليس في قراءته صلى الله عليه وسلم بالناس تنفير لهم، أو مشقة فادحة خارجة عن المعتاد في تحملهم، فقد قرأ بالطور، وقرأ بالسجدة والإنسان، وبالصافات، ونحو ذلك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف والمريض، فإذا صلَّى وحْدَه، فليصلِّ كيف شاء».. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف والمريض، فإذا صلَّى وحْدَه، فليصلِّ كيف شاء» رواه البخاري، ومسلم.

 قال الإمام الترمذي: "وحديث أبي هريرة حديثٌ حسنٌ صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم اختاروا أن لا يُطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف والكبير والمريض" (سنن الترمذي).

 وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على التخفيف منها: -عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأتخلَّف عن صلاة الصبح مما يطول بنا فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن منكم منفِّرين فأيُّكم أمَّ الناس فليُخفِّف فإن فيهم الكبير والسقيم وذا الحاجة» رواه البخاري ومسلم
 - وعن جابر رضي الله عنه قال: "أقبل رجل بناضحين له -جملين يسقي عليهما- وقد جنح الليل فوافق معاذ بن جبل يصلى المغرب، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ ليصلي معه، فقرأ معاذ البقرة، أو النساء فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفاتِنٌ أنت -أو قال: أفتَّانٌ أنت- ثلاث مرار. فلولا صلَّيت بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}
فإنه يُصلِّي وراءك الكبير، وذو الحاجة والضعيف) رواه البخاري.
قال شيخنا العثيمين: "ومن الشَّفَقَة والرَّحمة بالمؤمنين: أنَّه إذا كان الإنسان إمامًا لهم، فإنَّه لا ينبغي له أن يُطِيل عليهم في الصَّلاة... والمراد بالتَّخفيف: ما وافق سُنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو التَّخفيف، وليس المراد بالتَّخفيف ما وَافَق أهواء النَّاس".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "...ومن المعلوم أن مقدار الصلاة واجبها ومستحبها لا يرجع فيه إلى غير السنة، فإن هذا من العلم الذي لم يكلِه الله ورسوله إلى آراء العباد إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم، فيجب البحث عما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمضِ به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يجوز أن يعمِد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس.. ومما يُبيِّن هذا أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حدٌّ في اللغة ولا في العُرف، إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف هؤلاء ما يستطيله هؤلاء، فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية. فعُلِمَ أن الواجب على المسلم أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة، وبهذا يتبيَّن أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا يُنافي أمره بالتطويل أيضًا في حديث عمّار الذي في الصحيح لما قال: «إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خُطبتِه مَئِـنَّةٌ -علامة- من فِقْهِه، فأطيلوا الصلاةَ واقْصُرُوا الخُطبةَ وإنَّ منَ البَيانِ سِحرًا». وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما، فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة.

فإن قيل: ثبت (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالأعراف في المغرب)، وهي سورة طويلة.

فالجواب: أن ذلك محمول على أحد الوجوه التالية:
١- أن يعلم أن من خلفه ينشطون خلفه لحسن صوته بالقراءة، أو نحو ذلك، فلا بأس والحالة تلك، فهو في حق من خلفه لا يعتبر تطويلاً، بل لربما تمنوا المزيد من القراءة.
٢- أن ذلك لمصلحة التشريع، ليبين للامة الجواز والمشروعية في أحكام شرعية، ومنها جواز القراءة بالسورة الطويلة في صلاة المغرب مع قصر وقتها.
والقاعدة: إن الفعل المفعول لبيان الجواز قد يكون أفضل بذلك الاعتبار، وأن كان غيره أفضل منه باعتبار ذاته.

٣- ولأن التطويل في القراءة والتقصير فيها أمر نسبي، شريطة أن لا يصل إلى حد المشقة الفادحة.

* فإن قيل: إن عدم التطويل في القراءة هل يشمل ذلك صلاة النافلة كالتراويح.

فالجواب: من نظر إلى اللفظ: قال: لا فرق، لعموم الأدلة.
ومن نظر إلى المعنى: قال لا يعتبر التطويل في القراءة في صلاة النافلة منهياً عنه، وهو الأقرب، للأسباب التالية:
١- القاعدة: إذا تعارض اللفظ والمعنى، قدم المعنى إذا ظهر، وإن لم يظهر فإتباع اللفظ أولى، والنافلة في الصلاة لا مشقة فيها مطلقاً، لجواز قطعها، ولجواز تركها، ولجواز الصلاة فيها وأنت جالس.
٢- ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بابن عباس، وأطال حتى قرأ بالبقرة والنساء وآل عمران.
٣- ولان النافلة كلها تخفيف، وتخفيف الخفيف زيادة في التخفيف ولا يخرج عن أصله، وهو كونه خفيفاً. بخلاف الفرض فهو الذي يخرج فيه الإنسان عن كونه خفيفاً، والله تعالى أعلم.

كتبه/ محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة/ جامعة أم القرى/ مكة المكرمة.

حكم عقل وكفارة من قتل نفسه:
---------

لا دية له ولا كفارة، وهو قول الجمهور، لحديث سلمة بن الأكوع، لما بارز عامر بن سلمة مرحب اليهودي، وكان سيفه قصيراً، فتناول ساق اليهودي ليضربه فوقع على عين ركبة عامر فمات).
ولم يرد وجوب الدية على عاقلته لورثته ولم يوجب الكفارة،  والقاعدة: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ولأن الدية من باب المواساة لدفع الغرم الذي عليه بسببه لغيره، وهذا لا غرم فيه.

ولم يتمكن من الكفارة في قتله لنفسه حتى تجب عليه الكفارة.

خلافاً لمن  أوجب ذلك.على العاقلة في الخطأ وشبه العمد، لأنه من باب الخطأ الذي تتحمله العاقلة، فيستوي فيه الغير مع النفس،  وذلك لأنه غرم خطأ على العاقلة، فيكون لمستحقه.

والجواب: أن الغرم للمواساة فرضه الشارع على العاقلة في الخطأ وشبه العمد، في النفس وأطراف البدن، ومنافع البدن، والجروح، من باب تخفيف الغرم في جناية الخطأ وشبه العمد.
وههنا لا غرم عليه لخطائه على نفسه.

والقاعدة: لا عبرة بالدليل العقلي عند وجود الدليل النقلي.

وبهذا يترجح القول الأول، والله تعالى أعلم.

كتبه / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة.

حكم رفع الصوت بالذكر السري  والعكس:

والمراد بالسري: عدم الجهر به، وذلك أن الذكر لا يكون ذكراً، والقراءة لا تكون قراءة إلا بالتلفظ بها.
--------
١- رفع الصوت بالذكر لا بأس به، ولا يعتبر بدعة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرفع صوته في السرية بالآية والآيتين  في الصلاة السرية.
وهذا يدل على أن رفع الصوت بالذكر -أو بعضه، وهو قول: لا إله إلا الله-
مثلاً، لا بأس به، وفي الحديث السابق دليل على أن رفع الصوت أو بعضه مما هو من الذكر السري جهراً، والعكس لا حرج فيه.

وخصوصاً: إذا كان في ذلك مصلحة راجحة، كما فعل عمر بن الخطاب في جهره بدعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك.
لكي يعلم الناس.
وما جاز في البعض  جاز في الكل إذا تحقق المعنى الذي في البعض في الكل -كما هو الشأن ههنا-، وكذا العكس بنفس الشرط.

٢- وكذا رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، منهم من استحبه مطلقاً لحديث ابن عباس:
‎عن أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.
‎وفي رواية للبخاري ومسلم: عن ابن عباس قال: (كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير).
ومنهم من حمله على التعليم، فالأمر على السنية أو الجواز.

٣- وأما رفع صوت المؤذن بالذكر في أثناء الخطبة، فهذا فيه خلاف في جوازه من عدمه على قولين:
فمنهم من أجازه، لأنه من جنس الذكر المشروع في الصلاة، فما جاز في الصلاة جاز في الخطبة من باب أولى، وهو الأقرب  في نظري، ومنهم من منعه لظاهر حديث: (من قال لأخيه والإمام يخطب: أنصت فقد لغا).
والجواب: فرق بين كلام البشر الذي لا يشرع في الصلاة وبين ما كان جنسه مشروعاً في الصلاة.

٤- وأما ترديد نفس المؤذن بعد الأذان ففيه خلاف، والأظهر عدم  كونه مسنوناً للمؤذن، لأنه لم يثبت فعله في عهد النبوة، والقاعدة: ما توفر سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، مع وجود المقتضي، وانتفاء المانع، فتركه هو السنة.

والله تعالى أعلم.
أبو نجم  / محمد بن سعد الهليل العصيمي.

المراد بالغني شرعاً:

الغني في الشرع: هو من يجد ما يسد ضرورياته وحاجياته، ومن يعول، لمدة عام.

والفقير: هو من لا يجد ما يسد ضرورياته وحاجياته، ومن يعول، لمدة عام.

وحددت  المدة بالعام: لأن النبي كان يبعث بالسعاة في العام مرة واحدة.
ولم تدخل الكماليات والتحسينيات، لأنه ليس في فقدها حرج ومشقة.

ولا مانع أن يختلف هذا المراد من الغني في أبواب أخرى من الفقه،

فالغني في باب أخذ الزكاة من الناس: كل من ملك نصاباً زكوياً، مع وجود الشروط وانتفاء الموانع.

والغني في باب زكاة  الفطر: من وجد فضل صاع عن قوته يوم العيد ومن يعول.

والغني في العرف: حسب كل بلد فيما يعتبرونه غنياً.

فالإطلاق الخاص لا يعارض الإطلاق العام.
ولكن الدلالة الشرعية مقدمة على الدلالة العرفية في باب النصوص الشرعية.

ومن الإطلاق الخاص للغني: حديث معاذ بن جبل، لما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم).
ولم يذكر له فريضة الصيام والحج، لأنه بعثه في ربيع الأول، ولم تأت الحاجة لهم بعد.
والقاعدة: تأخير البيان عن وقت الخطاب يجوز.
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز -كما بيناه في القواعد-.
وهذا من تأخير البيان عن وقت الخطاب.
فكل من وجد نصاباً وجبت الزكاة في ماله، مع وجود الشروط وانتفاء المانع.

والقاعدة: العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام.
كحديث معمر بن عبدالله في صحيح مسلم مرفوعاً: (الطعام بالطعام) وكان طعامنا يومئذ الشعير.
فهذا إطلاق خاص، فلا يعارض الإطلاق العام: أن الطعام: اسم لكل ما يؤكل.
وقد يطلق الطعام: على كل ما يؤكل أو يشرب.
(ومن لم يطعمه فإنه مني ...).
والقاعدة: أن اللفظ يحمل على الأعم الأغلب لا على القليل أوالنادر، إلا بدليل أو قرينة.
وبناء على ذلك يكون الإستعمال الأغلب للغني على كل من وجد حاجياته وضرورياته لمدة عام.
ولا يعارض ذلك الإطلاق الحاصة لدليل أو قرينة، والله تعالى أعلم.

كتبه / أبو نجم : محمد بن سعد الهليل العصيمي / كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة.

حكم كتابة الدين بأكثر منه تحسباً لأجور المطالبة عند عدم السداد:

حكم توثقة الدين وأجور المطالبة بالصورة الربوية:

فمثلاً: يبيع رجل سيارته بمائة ألف ريال ديناً يحل بعد سنة، ويكتب عليه الدين بمائة ألف ريال وعشرة آلاف، فإذا سدد في الوقت أخذ منه المائة فقط، وإن لم يسدد في الوقت المحدد، أخذ مائة وعشرة، والعشرة مقابلة أجور المطالبة.

وكمثل أيضاً: رجل يقرض الناس، ويكتب عليهم شيكات بأكثر مما أقرضهم، تحسُّبًا لاتعاب المطالبة، فيقرض رجلاً ٥٠ ألفاً، ويكتب عليه شيكاً بـ ٥٥ ألفاً، لأتعاب المطالبة، فإذا سدده المدين ولو بعد الأجل بأشهر رضي منه بقدر الدين، وإذا امتنع المدين من السداد أخذ قيمة الشيك مع غرم المطالبة. فما الحكم؟

----------

القاعدة في ذلك: التوصل إلى المشروع بالطريقة المحرمة حرام.
فالتوصل إلى سداد الدين مشروع بالطرق الشرعية: كالكتابة، والشهود، والرهن، والمطالبة بما ترتب عليه من الأضرار المادية بسبب تأخره عن السداد من غير عذر شرعي، قال تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة).
وأما تأخر المدين عن السداد لعذر، فلا يجوز تغريمه ولا شكايته، ولا حبسه، قال تعالى:(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
وأخذ أجرة المطالبة ممن لا تجوز مطالبته حرام.

وأما التوصل إلى التوثقة بالصورة الربوية فلا تجوز.

فإذا كان المدين معسراً، أو كانت الزيادة على الدين أكثر من تكلفة الشكاية، فتحريمها ظاهر لا إشكال فيه، لأن المدين المعسر تحرم شكايته كما سبق، ولحديث: (لي الغني يحل عرضه وعقوبته) ومفهومه لي غيره لا يحل عرضه وعقوبته.
وإذا كانت الزيادة على الدين أكثر من التكلفة الفعلية للشكاية، فهو من القرض الذي جر نفعاً، وإذا كانت زيادة على الدين فهو من ربا الجاهلية: زد وتأجل.

وأما إذا كانت الزيادة بقدر التكلفة الفعلية، وكان التأخر في السداد من المدين من غير عذر، فهل يجوز التوصل إلى سداد الدين مع أجور المطالبة الفعلية بالصورة الربوية:
فالجواب: لا، لأن الطريقة المحرمة لا تكون ضرورة إلا بشرطين:
أ- أن نتيقن أن بهذه الطريقة تزول الضرورة.
ب- أن لا يوجد غيرها يقوم مقامها.
وهذان الشرطان لم يتوفرا فيها.
فهناك طرق كثيرة شرعية للتوصل إلى المشروع بدون الوقوع في المحذور.

وكون المقرض يشرط زيادة قبل أن تقع المماطلة تحسباً لأجور المطالبة، تترتب عليه المحاذير التالية:
١- اجراء العقد على صورة ربوية، والعبرة بالمنظور لا بالمنتظر، فالتأخير لم يقع بعد، والمطالبة قد لا يحتاج إليها، وقد يحتاج إليها وليس لها قيمة عرفاً، والأصل في الأمور العارضة العدم.
٢- قد يموت الدائن، فيطالب الورثة بالربا.
٣- قد يوافق المدين على الزيادة لاحتياجه، والقيمة الفعلية للمطالبة أقل من الزيادة، فيقع في صورة الربا.
٤- قد تكون سبباً في استعجال الدائن بالمطالبة ليحصل على أجرة المطالبة، فتكون من القرض الذي جر نفعاً له، أو لغيره ممن أراد توكيله بالمطالبة.
٥- أن اجراء صورة الربا بعذر ما قد يحصل، لا يجوز، ولا تدعو إليه الضرورة، وفي المشروع كفاية عن الممنوع، ففي الإشهاد، والكتابة كفاية في التوثيق، ثم ما يحصل له من الضرر المادي يطالب به إن أراد عند حصوله.

* فإن قيل: الشكاية: لها متسبب وهو المدين المماطل، ولها مباشر: وهو الدائن المحتاج إلى المطالبة بحقه أو من  ينيبه.
ولا يضمن المتسبب عند وجود المباشر.

فالجواب: أن المباشرة مبنية على السبب، ومتى كانت المباشرة مبنية على سبب ضمن المتسبب، كالجلاد وشهود الزور، فإن مباشرة الجلاد مبنية على سبب شهادة الشهود، فإذا تبين شهادة الزور بعد فعل الجلاد، ضمن الشهود لا الجلاد.

* فإن قيل: إذا تم العقد في توثقة الدين بالصورة الربوية: فهل يشرع الصلح، في رد الدين وما يصطلحان عليه من أجور المطالبة.
فالجواب: إذا كان الصلح لا يترتب عليه محذوراً شرعياً فلا بأس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (المائة شاة والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام).
ومن المحاذير: أن يأخذ الدائن أكثر من أجرة المطالبة الفعلية، أو يأخذ أكثر من الدين إذا كان تاخر السداد لعذر.
والله تعالى أعلم.

كتبه / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة.

حكم شهادة البدوي على صاحب القرية:

والبدوي: هو الذي يسكن الصحراء ويتنقل ببيته من مكان إلى آخر، وليس هو نسب لمن كان أصلاً من القبائل التي كان أهلها يسكنون البادية.
---
روى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية).
قال البيهقي: هذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار.
وقال الذهبي: هو حديث منكر مع نظافة سنده.

ومع ذلك قال أبو داود: هذا سند رجاله ثقات.
وقال المنذري: رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه.
وقال ابن دقيق العيد: رجاله إلى منتهاه رجال الصحيح.
وقال ابن عبدالهادي: إسناده جيد.

وبناء على ذلك: فإن تفرد الراوي بما روى إذا كان ثقة فلا بأس، وأما إذا كان في مرتبة صدوق، فلا يقبل تفرده، ويكون حديثه والحالة تلك شاذاً.
وأما حكم الذهبي بالنكارة، لما فهمه من كون ذلك يعارض الأدلة الصحيحة، ومع التأمل نجد أن لا نكارة في متنه -كما سيأتي توضيحه-.

والأدلة الأخرى لم تفرق بين بدوي وصاحب قرية، كقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، وقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، وقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فالحكم يعلق بالعدالة مع انتفاء التهمة.
لأن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه، فمن الشروط العدالة، ومن الموانع: وجود التهمة في الشهادة، ولهذا جاء في حديث عبدالله بن عمرو مرفوعاً: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر -حقد- على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع -الخادم- لأهل البيت).
وذلك لوجود التهمة في شهادة هؤلاء.
وكذلك: كون صاحب القرية يترك أهل قريته في الشهادة، ويأتي بساكن البادية -مع بعدهم عن مكان الشهادة وعن العلم، وكثرة الجهل فيهم، وجفائهم- يشعر بوجود التهمة في الشهادة والحالة تلك.

كتبه / أبو نجم / محمد بن سعد الهليل العصيمي.

حكم التسوك، وشرب الماء، والإمام يخطب الجمعة:
------
ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن مس الحصى فقد لغا).

 قاعدة: كل أنواع العبث في حال خطبة الجمعة منهي عنه.
والنهي للتحريم لا للكراهة بدليل: (ومن لغا فلا جمعة له).
فإن صحت هذه اللفظة فلا إشكال، وإن لم تصح، فقد ثبت (فقد لغا) واللغو يأتي بمعنى المأثم: (وإذا مروا باللغوِ مروا كراماً)، ويأتي بمعنى: ما لا فائدة منه، أو ما لا يعقد عليه القلب من الكلام:  (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، ويدل على أن المراد هو الأول:

١- أن السياق يدل على الأول، لأنه ورد النهي عن الخطبة والإمام يخطب، ثم بين عقوبته.
٢- ولأن الأصل في النهي التحريم.
٣- ولأن الصحابة فهموا ذلك، فقد جاء ذلك عن غير واحد من الصحابة أنه لا جمعة له.
٤- أن (ومن لغا فلا جمعة له) وإن اختلف في رفعه، فقد ثبت موقوفاً.
٥- القاعدة: أن اللفظ إذا كان يحتمل أكثر من معنى بحسب أوضاع متعددة، حمل على  المراد الذي دل عليه الدليل أو القرينة، إذ لا يجوز فرض العمومات في المضمرات والحالة تلك.

وجمعته تصح، ولكن فعله هذا يذهب بأجر جمعته.
ولأن العبث يمنع الخشوع، كالتسوك وكذا الشرب حال الخطبة، لأنه فعل به أشبه مس الحصى.

فإن قيل:  السواك أثناء خطبة الجمعة مما يشغل الإنسان عن استماع الخطبة، واستماع الخطبة واجب، ولكن إذا كان السواك من أجل استماع الخطبة كأن  يصيب الإنسان نعاسًا، فيتسوك؛ لطرد النعاس، فلا بأس به، لأنه من مصلحة استماع الخطبة.

فالجواب: أن القاعدة في ذلك: كل اجتهاد يعود على النص بالإبطال فهو باطل.

فإذا كان السواك يطرد النعاس فهو مأمور به.
يلزم منه: أن مس الحصا إذا كان يطرد النعاس فهو مأمور به.
وكذا الكلام والإمام يخطب وهكذا.
وكل ذلك باطل، لمعارضته للنص.
وطرد النعاس لا يكون بالمحظور بل بالمأمور قدر استطاعته، وما خرج عن الاستطاعة فصاحبه معذور (فاتقوا الله ما استطعتم) وفي حديث أنس: (كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه لصلاة العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يقومون ولا يتوضؤون).
فيفعل المسلم من أجل طرد النعاس الأسباب المشروعة من تغيير مكانه ونحو ذلك. ولا يفعل المحظور من أجل الحصول على المشروع، فإن الضرورة لا تكون ضرورة إلا بشرطين:
أ- أن نتيقن أن بهذا الشيء تزول الضرورة.
ب- أن لا يوجد غيرها يقوم مقامها.

* ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مس الحصى والإمام يخطب، هو من النهي عن الأخص ويراد به الأعم.
فليس المراد مجرد مس الحصا فقط، فهو يحصل من المصلي وهو يصلي ركعتين والإمام يخطب، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي دخل وهو يخطب فجلس، فقال له صلى الله عليه وسلم: (قم فصل ركعتين) ومسجده صلى الله عليه وسلم من الحصبا.
وعليه: إذا غير مستمع الخطبة جلسته والإمام يخطب فاعتنز بيديه على الأرض، لا يدخل في النهي، وإنما المراد النهي عن العبث بالحصا والانشغال به.
والتسوك يقاس على مس الحصا ههنا، بجامع الإنشغال في كلٍ.
والشريعة لا تفرق بين متماثلين، ولا تجمع بين مختلفين.
والقاعدة: المنصوص عليه، وما كان بمعناه، حكمهما واحد.
فإن قيل: صلاة ركعتي تحية المسجد والإمام يخطب انشغال عن الخطبة، وهي مستحبة على الأصح، وسماع الخطبة واجب، ألا يصرف الإنشغال من التحريم إلى الكراهة.
فالجواب من أوجه:
أ- أن ركعتي التحية من جنس الذكر المأمور به، وفعل المستمع ما كان من جنس ما أمر به لا يحتاج إلى استثناء، وقد أوضحنا ذلك في حكم من وقف والإمام يخطب.
ب- أن القياس إذا صادم النص فلا عبرة به، فالقول بالتحريم لنص الحديث: (ومن لغا  فلا جمعة له).
ج- أن الانشغال بالمستثنى شرعاً، لا يعارض الأصل، فيكون الاستثناء خاصاً، ولا تعارض بين عام وخاص. والله تعالى أعلم.

كتبه/ محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة ام القرى / مكة المكرمة.

حكم استدخال الزوجة ذكر زوجها في فرجها بلا إذنه وهو نائم:
------
يجوز استمتاع الزوجة بذكر زوجها وهو نائم بغير إذنه، للأسباب التالية:

١- كما جاز لها ذلك في حال الصحو، جاز في حال النوم إلا بدليل.

٢- قياساً على استمتاع الزوج من زوجته بالإيلاج وهي نائمة، فكذا الزوجة، بجامع الزوجية في كلٍ.

٣- وقياساً على سائر بدنه، فإذا جاز استمتاع الزوجة بسائر بدن زوجها وهو نائم، جاز لها إيلاج ذكره فيها في حال نومه، بجامع كونه جزءاً من بدنه.
وفي حديث طلق: (إنما هو بضعة منك).

٤- ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) فما كان حلالاً له منها، فكذلك هو حلال لها منه، بجامع الزوجية في كلٍ.

٥- ولأن الزوجة تنتفع بذلك، ولا يتضرر الزوج، وكل ما فيه منفعة لأخيك، ولا ضرر عليك فيه، لا يجوز منعه منه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)، وقد تقرر بيانها في القواعد.

٦- ولأن الزوج لا يجوز له أن يمتنع عن زوجته في المعاشرة عند قدرته وحاجتها، فما كان مأذوناً لها فيه بإذن من الشارع، فلا عبرة بالإذن الشخصي، والقاعدة: الإذن الشرعي مقدم على الإذن الشخصي.
والقاعدة: استئذان من لا إذن له، وجوده كعدمه، وقد تقدمت في القواعد.
ولا يجوز الإيلاء من المرأة فيما دون أربعة أشهر بلا سبب، لأنه من الظلم وخلاف المعاشرة بالمعروف.

خلافاً للحنابلة: الذين نصوا على عدم جواز استداخاله في حال النوم بلا إذنه. فقالوا: يجوز للزوجة تقبيله ولمسه لشهوة ولو كان نائماً لا استدخال ذكره في فرجها بلا إذنه نائماً كان أو لا، لأنه تصرف فيه بغير إذنه.
وقد سبق الجواب عليه، وتبين جواز ذلك، والله تعالى أعلم.

كتبه / أبو نجم: محمد بن سعد العصيمي.

المراد بالسائمة التي  تجب زكاتها:

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ).
وتسيمون: أي ترعون، بمعنى تخرجونها -البهائم- إلى المرعى.

ولذلك اختلف العلماء في المراد بالسوم على قولين:

- فمنهم من قال: هي التي تخرج إلى المرعى وإن لم تجد رعياً، وعليه: فإن الماشية من بهيمة الأنعام إذا كان يخرجها صاحبها لترعى غالب السنة فإنها تزكى زكاة السائمة ولا تسقط الزكاة عن صاحبها بالتعليف لها.
بناء على أن السوم هو خروج الماشية للرعي حتى وإن لم ترعى. وذلك أخذاً بظاهر اللفظ في السوم.

- ومن أهل العلم من ذهب إلى أن خروج بهيمة الأنعام للرعي ولا تجد ما يكفيها، بحيث يقوم صاحبها بتعليفها تسقط عنه زكاة هذه المواشي ما لم تكن عروض تجارة.
لأن المعنى من السوم: وهو خروجها للمرعى من أجل الرعي وسقوط نفقتها عنه بالرعي، فإن لم تجد كفايتها عند خروجها للمرعى، وجب على صاحبها تعليفها، وتسقط زكاة تلك السائمة، وهذا هو الأقرب في نظري والعلم عند الله تعالى.
والقاعدة في ذلك: إذا تعارض اللفظ والمعنى، قدم المعنى إذا ظهر، وإن لم يظهر فإتباع اللفظ أولى.

* فإن قيل: إذا وجدت كفايتها من الرعي في المرعى، ولكن أراد صاحبها زيادة تعليفها لزيادة سمنتها، فهل يسقط هذا التعليف زكاة السائمة.
* فالجواب: لا يسقط الزكاة، لأن العبرة بالكفاية وهو حاصل بالعلف الذي حصلته في المرعى، والزيادة فضل لا تمنع عنه وجوب الزكاة في ذمته.
* ولأن هذه الزيادة تابعة لأصل علف المرعى، والتابع تابع.
* ولأن نفقة التعليف لهذه المواشي سقطت عنه بحصول كفايتها من الرعي فلا تجب عليه نفقة لها، وما زاد على ذلك فهو فضل لمقاصد أخرى. والعبرة بالضروريات والحاجيات لا التحسينيات.

* وأما إذا وجدت شيئاً ولم تجد الكفاية من المرعى، فلا عبرة بما وجدته لسقوط العلف عن صاحبها، والعبرة بالأعم الأغلب لا بالقليل والنادر، وحينئذ تكون هذه المواشي معلفة أو في حكم المعلفة، ولا تجب زكاتها ما لم تكن عروضاً للتجارة، والله تعالى اعلم.
* تنبيه: المحبوسة من بهيمة الأنعام في شبك صغير المساحة، أو في سور، وتعلف، فإذا اتخذت للدر والنسل لا عروضاً للتجارة، فلا زكاة فيها، لأنها ليست سائمة.

* كتبه / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة.

حكم القزع:

عَنْ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ. قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ. (متفق عليه).

وعن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (رواه أبو داود وأحمد، وصححهالألباني).

والقزع: هو حلق بعض الرأس  وترك بعضه.

ومنه: تقصير أو تخفيف بعض شعر الرأس، وترك بعضه.

والتقصبر أو التخفيف قيل: يدخل في القزع لغة، وقيل: يدخل فيه معنى.
والقاعدة: الشريعة لا تفرق بين متماثلين، ولا تجمع بين مختلفين. والمعنى أن الشعر بعضه أطول من بعض.

فإن قيل: لا يلحق الأدنى -وهو التخفيف أو التقصير- بالأعلى -وهو الحلق: الذي هو جزء الشعر بالموسى-.

فالجواب: القاعدة: لا يلحق الأدنى بالأعلى إلا إذا تحقق المعنى في الأدنى.
والمعنى في الأدنى ههنا قد تحقق، وهو كون الشعر بعضه غير مساو لبعض.
والأصل في الأحكام التعليل.
وتفريق الشارع بين الحلق والتقصير في بعض الأحكام، لا يعني التفريق المطلق من كل وجه.
وذلك كما في حديث: (رحم الله المحلقين)، قالوا: (والمقصرين)، قال: (رحم الله المحلقين)
وقال في الرابعة: (والمقصرين).
فهذا تفريق بينهما في الأجر عند التحلل من  الحج، وتساو بينهما في الإجزاء.
ولا شك أن التحليق أغلظ وأشد من التقصير أو التخفيف، ولكنهما يشتركان في الإجزاء في التحلل، ويشتركان في النهي عند القزع، ويختلفان في الشدة والغلظة، فالحلق أشد وأغلظ.
والقاعدة: النهي عن الأخص دليل على جواز الأعم إلا إذا تحقق المعنى المنهي عنه في الأخص في الأعم.
كما هو الشأن ههنا.  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من كمال محبة الله ورسوله للعدل، فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه، ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا، وبعضه عاريا".

* قال صاحب مختار الصحاح: "أن يحلق رأس الصبي، ويترك في مواضع منه الشعر متفرقاً".

وقال صاحب المصباح المنير: "هو حلق بعض الرأس دون بعض".

وقال المرداوي في الإنصاف: "أخذ بعض الرأس، وترك بعضه على الصحيح من المذهب، وقاله الإمام أحمد، وعليه جمهور الأصحاب"، وبهذا عرفه في المطلع.

* والقزع: الأصل فيه  الكراهه ما لم يصل إلى حد التشبه بالفساق أو الكفار فيكون حراماً.

ومما يدل على أن الأصل في القزع الكراه: 

١- الأدلة السابقة، والتي فيها النهي عن القزع: نهى عن القزع.

٢- الإجماع المنعقد على القول بكراهته، وممن نقل الإجماع على ذلك النووي في شرح صحيح مسلم وفي المجموع.

٣- والقاعدة: النهي في باب الآداب، الأصل فيه الكراهة، ما لم يصرفه صارف إلى التحريم بدليل أو قرينة.

وخالف بعض المعاصرين فقال: بالتحريم، اخذاً بظاهر النهي.

فإذا كان هذا القزع  وصل إلى حد التشبه بالفساق كان فسقاً وحراماً كما يفعل كثير من شبابنا في هذا العصر، بل صارت سمة وعلامة من سمات الفساق وعلاماتهم في كثير من تلك القصات التي يفعلونها، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) فإذا تشبه بالفساق فهو فاسق مثلهم.
وإذا كان ذلك تشبهاً بالكفار كان الفسق أعظم والتحريم أشد -وقد سبق بيان حكمه-.
والله تعالى أعلم.

كتبه / أبو نجم / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة/ جامعة أم القرى/ مكة المكرمة.

قاعدة: المشبه به أفضل من المشبه فيما فيه التشبيه.

يقال: زيد كالبدر، فيكون المشبه به أفضل من المشبه في الجمال.

فإن قيل: الإجماع منعقد  على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وقال عن نفسه: (أنا سيد بني آدم ولا فخر).
فهل يعارض هذا قوله في التشهد صلى الله عليه وسلم: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم).

بحيث  يقتضي أن  صلاة الله عز وجل على إبراهيم أكمل وأتم منها على محمد صلى الله عليه وسلم  بحيث  يكون  إبراهيم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وهذا  خلاف الإجماع، فتكون القاعدة غير منضبطة.


فالجواب:  أن القاعدة على إطلاقها، وهذا الإشكال السابق يجاب عنه من  عدة أوجه:

١- أن الكاف في: (كما صليت على إبراهيم) للتعليل لا للتشبيه، والكاف في لغة العرب كما تأتي للتشبيه تأتي للتعليل.

 ٢- أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية.

 ٣- أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر.

٤- أن الصلاة عليه كانت ثابتة له، والسؤال إنما هو باعتبار الزائد عن القدر الثابت، وبانضمام ذلك الزائد المساوي أو الناقص إلى ما ثبت تصير أعظم قدراً.

٥- أن مراده صلى الله عليه وسلم أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم.

٦- أنه كان ذلك منه قبل أن يعلمه الله أنه أفضل من إبراهيم.

٧- أنه من جملة آل إبراهيم وكذلك آله، فالمشبه هو الصلاة عليه وعلى آله بالصلاة على إبراهيم وآله الذي هو من جملتهم، فلا ضير في ذلك.

٨- ثم لو فرض أن هناك مزية لابراهيم فالمزية في شيء لا تقتضي الأفضلية المطلقة، كما في القاعدة فموسى يبعث قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم أول من يكسى يوم القيامة، كل هذه مزايا محددة لا تستلزم الأفضلية المطلقة.

أبو نجم / محمد بن سعد العصيمي.

شحن السلع مجاني

الشراء عبر الإنترنت - وطرق شحن معتمدة

حجز السلع عبر الإنترنت