ضابط الإكراه الذي يعذر به المكره، والذي لا يعذر به .
——————
1 - ضابط الإكراه فيما يتعلق بحق الخالق سبحانه :
الضرر إذا كان عظيماً ، حصل به العذر بالإكراه ، وفي شريعتنا الرخصة بالإكراه.
فمن وقع عليه ضرر عظيم عرفاً لا يندفع إلا بفعل ما ظاهره الكفر ، كان له رخصة لرفع الضرر العظيم عنه، لقوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )
ولم يحدد مقدار ذلك الإكراه، فيرجع فيه إلى الضرر العظيم عرفاً،
والقاعدة : ما لم يحدد في الشرع فالمرجع إلى تحديده هو العرف.
مع كراهة ذلك الفعل بقلبه، فلا يطمئن إليه، ولا ينشرح بذلك صدره.
وشريطة أن لا يوجد ما هو أقل منه في دفع الإكره، فإن الضرورة لا تكن ضرورة إلا بشرطين :
أ - أن نتيقن أو يغلب على الظن أن بذلك الشيء تندفع به الضرورة.
ب - أن لا يوجد غيرها يقوم مقامها.
فإذا اندفعت ضرورته بشيء محرم غير الكفر، لم يجز أن يدفع إكراهه بالكفر ، وإذا اندفعت ضرورته بمباح لم يجز بالمحرم ، وهكذا .
فإن الضرورات تقدر بقدرها.
2 - وضابط الإكراه في حق المخلوق : أن يكون الضرر الواقع عليك أعظم من الضرر الصادر منك .
3 - الإكراه الملجي : هو الذي يتخذ فيه الإنسان كالآلة، كمن يحمل بدن إنسان بالقوة والقهر فيضرب به آخر فيموت، فالمحمول ليس له قدرة ولا اختيار في الامتناع ، فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على الفاعل.
4 - والإكراه الغير ملجي : أن يكون للإنسان عنده قدرة واختيار على الامتناع، ولكنه يفعل الشيء مكرهاً على فعله.
فإن كان الضرر الواقع عليه أعظم من الضرر الصادر منه كان معذوراً.
كأن يقال : أعط فلاناً كفاً، وإلا قتلناك، فإذا تيقن أو غلب على ظنه حصول القتل عليه إن لم يعطه كفاً، أعطاه كفاً ، وكان معذوراً بسبب الإكراه.
أما إذا كان الضرر مساوياً أو أخف لم يعذر بالإكراه.
فالمساوي: إن لم تقتله قتلناك- لم يعذر بالإكراه.
ومثال الأخف : إن لم تقتله صفعناك كفاً.
5 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :عن السُّجودِ للمَخلوقِ :
(إذا أُكرِهَ الرَّجُلُ على ذلك بحيث لو لم يفعَلْه لأفضى إلى ضَرْبِه، أو حَبْسِه، أو أخْذِ مالِه، أو قَطْعِ رِزقِه الذي يستحِقُّ من بيتِ المالِ، ونحو ذلك من الضَّرَرِ: فإنَّه يجوزُ عند أكثَرِ العُلَماءِ؛ فإنَّ الإكراهَ عند أكثَرِهم يبيحُ الفِعلَ المحَرَّمَ، كشُربِ الخَمرِ ونَحْوِه، وهو المشهورُ عن أحمَدَ وغَيرِه، ولكِنْ عليه مع ذلك أن يَكرَهَه بقَلْبِه..
6 - وقال في موضع آخر :
«تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه، فليس الإكراه المعتَبَر في كلمة الكفر كالإكراه المعتَبَر في الهبة ونحوها، فإنَّ أحمد قد نَصَّ في غير موضعٍ على أنَّ الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيبٍ من ضربٍ أو قيدٍ، ولا يكون الكلام إكراهًا…»
7 - الإكراه قد يكون من الإنس، وقد يكون من الجن بأن يتسلط الجني على الإنسي فلا يندفع عنه أذاه إلا بشيء لا يجوز فعله شرعاً في حال الاختيار ، ويجوز فعله له في حال الاضطرار لرفع الأذى عنه حسب التقعيد السابق .
والله أعلم .
أ.د. محمد بن سعد الهليل العصيمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق