حكم المصارفة المدعومة :
——————
صورة المسألة : معاملة مالية ميدانية تجري حالياً في المصارف العراقية، ونرجو منكم التفضل ببيان الحكم الشرعي والتكييف الفقهي الصحيح لها تفادياً للوقوع في المحظورات الشرعية.
*تمهيد لبيان الواقع الاقتصادي للبلد:*
قبل عرض تفاصيل المعاملة، نود الإحاطة بأن الدولة العراقية (ممثلة بالبنك المركزي) تقوم بتخصيص حصة محددة من العملة الأجنبية (الدولار) للمسافرين الحقيقيين بسعر صرف رسمي (مدعوم). هذا السعر يقل عن سعر الصرف الموازي (في السوق الحرة)، وتهدف الدولة من ذلك إلى التخفيف عن كاهل المسافر وتوفير نفقات سفره. ولضمان عدم تسرب العملة الصعبة لغير الأغراض المشروعة، ومنعاً للمضاربين من استغلال هذا السعر الرسمي المدعوم وإعادة بيعه في السوق السوداء، حصرت الدولة بيع هذه الحصة عبر منصة إلكترونية مركزية
للتدقيق، ووفق الآلية التالية:
*صورة المعاملة وتفاصيلها الإجرائية:*
يقوم المواطن العراقي الراغب في السفر بالتوجه إلى أحد المصارف وإيداع المبلغ الموازي لحصته المحددة بالدينار العراقي قبل موعد سفره بأيام معدودة.
المصرف التجاري لا يقوم في هذه اللحظة ببيع الدولار من خزينته الخاصة، ولا يسلم العميل أي عملة أجنبية، بل ينحصر دوره في رفع طلب المواطن وتأمين المبلغ بالدينار في حساب البنك المركزي عبر منصة إلكترونية بانتظار الاعتماد والموافقة.
بمجرد موافقة البنك المركزي على الطلب، يتم خصم المبلغ بالدينار العراقي من رصيد المصرف التجاري، ويُقيد في ذات اللحظة وبشكل آلي المبلغ الموازي بالدولار الأمريكي في حساب المصرف التجاري لصالح المسافر.
يتم التسليم المادي للعملة للمسافر نقداً في منافذ المصرف المخصصة داخل المطارات حصراً، بعد استكمال إجراءات المغادرة وتجاوز منطقة ختم الجوازات.
في حال فشل المصرف التجاري في استحصال الموافقة من البنك المركزي لأي سبب، فإنه يُرجع مبلغ (الدنانير) للمواطن، ولا يعوضه بالدولار من ماله الخاص.
*محل الإشكال والسؤال:*
نظراً لوجود فجوة زمنية ومكانية بين دفع العملة المحلية في فرع المصرف داخل المدينة، وبين استلام العملة الأجنبية في المطار بعد أيام؛ هل تُكيّف هذه المعاملة على أنها "عقد صرف آجل" وتقع في دائرة "ربا النسيئة" لغياب شرط التقابض الفوري (يداً بيد) وقت إيداع الدنانير؟
أم أنه يصح تكييفها شرعاً على أنها "عقد وكالة بأجر تتضمن صرفاً"، بحيث يُعتبر المصرف التجاري وكيلاً عن المواطن في شراء الدولار من البنك المركزي، ويكون التقييد المصرفي الإلكتروني بين المصرف والبنك المركزي بمثابة "القبض الحكمي" الذي يحقق شرط التقابض في مجلس العقد، وما يتم في المطار لاحقاً هو مجرد استيفاء للأمانة من الوكيل المؤتمن؟
أم هناك ثمت تكييف آخر لمسألتنا ؟
———————
الجواب :
1 - وضع المبلغ من المواطن في حسابه في البنك التجاري : هو طلب تحويل من دينار إلى دولار انتظاراً للموافقة عليها من البك المركزي:( وهذه مصارفة بدون قبض) فالقصد والفعل مصارفة لا قبض فيها ، وهي نوع من الربا ).
2 - زيادة البنك المصرفي سعر الصرف بحيث يكون الدينار العراقي أكثر من قيمته الحقيقية في السوق، لو كان فيه قبض حقيقي يداً بيد : لا بأس به.
إذ حقيقته مصارفة بين جنسين - دولار بدينار - ، متفاضلاً يداً بيد .
ولكن بقي أنها مصارفة ليس فيها تقابض حقيقي، وليست يداً بيد ، بل مشروط فيها التأخير : وهو تسليم العملة بعد دخول المطار وتختيم جواز السفر .
3 - أن الاستلام والتسليم عبر المنصات الإلكترونية ، في الأموال التي يجري فيها الربا، لا يعتبر في حكم التقابض الحقيقي على الأرجح، ولا يجوز ذلك إلا عند الضرورة ، وقد كتبت في هذا بحثاً محكماً معنوناً بالجمع بين التحويل والمصارفة، أو التحويل البنكي.
4- المنصات الإلكترونية ، في الأموال التي يجري فيها الربا، لا يعتبر في حكم التقابض الحقيقي على الأرجح، ولا يجوز ذلك إلا عند الضرورة ، وقد كتبت في هذا بحثاً محكماً معنوناً بالجمع بين التحويل والمصارفة، أو التحويل البنكي.
5 - حكم المصارفة مع التحويل:
إذا حول العميل نقداً إلى بلده بنقد بلده - عملة أخرى غير العملة التي سلمها للمصرف - فإن المصارف البنكية لا تسلمه النقد الآخر في نفس المجلس ، إلا بالقيد المصرفي، ثم تحول له المبلغ المستلم في بلده بعملة ذلك البلد.
وقد سبق أن رجحنا أن القيد المصرفي لا ينزّل منزلة القبض .
ولا يصح تكييف هذه العملية وكالة ، وذلك للأسباب التالية :
١ - أن الضمان في الحوالة على صاحب المال ما لم يتعد المصرف أو يفرط، لأن المصرف والحالة تلك يده يد أمانة .
وفِي المصارفة البنكية : الضمان على المصرف أو البنك مطلقا .
٢ - ولأن النية في هذه العملية، هي المصارفة بين تقدين - ولم تكن يداً بيد- وليس المراد الوكالة ، والقاعدة : أي معاملتين صورتهما واحدة ، إحدى الصورتين حلالاً، والأخرى حراماً، فالمرجع في التفريق بينهما إلى النية.
كالقرض والصرف.
والعبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.
٣ - أن الوكالة عقد جائز بين الطرفين، ما لم يؤدي فسخ أحدهما إلى ضرر الآخر، أو يضمن الضرر، بخلاف تحويل النقد مع صرفه: عقد لازم بين الطرفين في المصارف البنكية .
@. وعليه لا تجوز المصارفة إلى نقد آخر ، بلا تقابض في المجلس ، مع تحويل إلى بلد اإخر .
اللهم إلا في مقام الضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها، شريطة أن نتيقن بذلك زوال الضرورة، وأن لا يوجد غيرها يقوم مقامها، مع وجود المشقة غير المعتادة التي يقع الإنسان فيها عند عدم فعلها. في الحرج .
أما إذا حول النقد بنقد آخر، ثم قبضه في مجلس المصارفة ، وأحالة إلى بلد آخر بأجرة، فلا بأس بذلك . والله تعالى أعلم
أ.د. محمد بن سعد المهلهل العصيمي
مكة. كلية الشريعة - جامعة أم القرى