إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأرشيف

نبذه قصيرة عني

الشيخ د.محمد بن سعد هليل العصيمي-حفظه الله

الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى - بمكة المكرمة - بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية

آخر المـسـائـل

اخر المواضيع

اخر المواضيع

المشاركات الشائعة

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

حكم ذبح هدي التمتع والقران قبل يوم النحر/لفضيلة الشيخ د.محمد بن سعد العصيمي - حفظه الله


حكم ذبح هدي التمتع والقران  قبل يوم النحر :

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :

القول الأول : لا يجوز قبل يوم النحر، وبه قال الجمهور .

وذلك للأدلة الآتية :
١ - لقوله تعالى ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ..) 
وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلا يوم النحر .

والجواب عنه : أن أول الآية : ( وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله...) البقرة ١٩٦ .
فهذه الآية فيي المحصر ، لا يجوز له أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه.
وفِي يوم النحر، يجوز الحلق قبل النحر ، ففي صحيح مسلم، جآء رجل فقال يارسول الله: نحرت قبل أن أحلق، قال : ( إفعل ولا حرج ) .
( إفعل) في المستقبل، ( ولا حرج ) في الماضي.

٢ - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعمرتنا، وعلينا الهدي، كما قال تعالى: ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ...).

فهذا  نص في أن بدء وقت النحر للمتمتع والقارن يوم الأضحى، ويدل عليه بمفهوم أو مع أمره صلى الله عليه وسلم أن نأخذ عنه المناسك وقد نحر عن نفسه وعن أزواجه يوم الأضحى ونحر أصحابه كذلك، ولم يعرف عن أحد منهم أنه نحر هديه لتمتعه أو قرانه قبل يوم الأضحى، فكان ذلك عمدة في التوقيت .

والجواب  عنه : أن مجرد الفعل لا  يدل على الوجوب ، وإنما يدل على الاستحباب .
وحديث ( لتأخذوا عني مناسككم ) أي المناسك المشروعة، سواء كانت واجبة أم مستحبة أم جائزة، فلا تبتدعوا في دين الله ما ليس منه، وليس المراد : وجوب جميع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ، بل معظمها سنة، ولا يمكن أن نجعل القليل هو الأصل، والقاعدة : الحكم للأعمّ الأغلب لا للقليل والنادر .

٣ -  الإجماع : فقد قال ابن عابدين على قول صاحبي [تنوير الأبصار] وشرحه [الدر المختار]: ويتعين يوم النحر، أي: وقته، هو والأيام الثلاثة لذبح المتعة والقران فقط، فلم يجز قبله قال: (فلم يجزئ) أي: بالإجماع وهو بضم أوله من الإجزاء.
والجواب : أن دعوى الإجماع غير صحيحة، فقد خالف الشافعية وغيرهم من أهل العلم - كما سيأتي عند ذكر القول الثاني-  ، ويكون مراده بالإجماع ههنا في المذهب- المذهب الحنفي -.

٤ - الأثر : فقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس .

والجواب عنه من وجهين :
أ - : أن قول الصحابي ليس بحجة - كما تقدم في القواعد - .
ب - وبأن عدم النقل عن غيرهم ، ليس دليلاً على عدم الوجود.
والقاعدة : عدم النقل، ليس نقلاً للعدم .

 ٥ -  ولأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح الهدي للمتمتع . 

والجواب عنه من وجهين  :  
أ - أن قياس الهدي على الأضحية ، قياس مع الفارق. وذلك أن الأحكام المتعلقة بالأضحية تختلف عن الأحكام المتعلقة بالهدي، فمن أراد أن يهدي يشرع له الأخذ من شعره وأظفاره، ولا يحرم عليه شيئاً مما كان عليه حلالاً بسبب الهدي ، ويكون في حق المضحي مكروهاً أو محرماً .
ب -  وأيضاً : الأضحية لا تكون إلا بعد دخول وقتها، ووقتها من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ولا تُشرع قبل يوم النحر بالاتفاق، بخلاف الهدي فإنه معلق بسببه وهو الدخول في النسك ، فإذا وجد سببه، وجد حكمه.

٦ - وقد يستدل لهم على ذلك بحديث ابن عباس ( لم يرخص في أيام التشريق أن يَصُمْن إلا لمن لم يجد الهدي) 
فإذا عدم الهدي في حق المحرم الذي وجب عليه هدي التمتع والقران، تعين عليه الصيام - ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله- ،
وإنما يكون في حكم العاجز عند دخول وقت الذبح وهو يوم النحر- الذي لم يرخص في صيامه مطلقاً- وأيام التشريق - التي رخص له عند عجزه عن الهدي دون غيره - ولو كان الهدي مشروعاً ذبحه قبل يوم النحر لم يرخص له في صيام أيام التشريق إلا عند اضطراره لا مطلقاً، مما يدل على أن وقت الذبح أو النحر للمتمتع والقارن يبدأ من يوم النحر لا قبله .

والجواب عنه من وجهين  : 
أ - أن من صام بعد دخوله في الإحرام لكونه لم يجد الهدي ، قد صام في الحج ، سواء كلن في أشهره، أو كان بسببه وهو الإحرام، ولا تجب عليه الإعادة في أيام التشريق،- ولا أعلم أحداً أوجب عليه الإعادة في أيام التشريق- ولو لم يكن مشروعاً إلا في أيام التشريق  لوجبت عليه إعادة ما صامه قبل يوم النحر، والبدل يأخذ حكم المبدل منه .
وبمعنى آخر: من صام بعد إحرامه ودخوله في النسك لكونه لم يجد الهدي فقد فعل جائزاً، ومن أخر حتى ضاق عليه الوقت ولم يجد الهدي ، تعين عليه صيامزثلاثة أيام في الحج  في أيام التشريق ، التي هي آخر وقت لذبح الحاج لهديه في الحج.

ب -  أن  هناك فرق بين تقديم الشيء على وقته: كالأضحية قبل يوم النحر، وبين تقديم الشيء على شرطه، كصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر، وبعد وجود السبب: وهو الإحرام .
والقاعدة : تقديم الشيء على سببه لاغ، وتقديمه على شرطه جائز.
وذلك أن الأصل أن الشيء لا يكون إلا بعد انعقاد سببه .
----
القول الثاني   :  يجوز ذبح الهدي  قبل يوم النحر، وهو منقول عن بعض المالكية، وبه قال الشافعي وبعض أصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض أصحابه.

والذين قالوا بهذا القول: منهم من يرى جواز ذبحه إذا قدم به قبل العشر، وهو رواية عن أحمد، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه إذا حل من العمرة، ومنهم من يرى جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج.

وذلك قياساً على  تقديـم الكفارة على الحنث، وعلى تقديم الزكاة على  الحول .

والقاعدة : تقديم الشيء على سببه لاغ، وتقديمه على شرطه جائز - وقد قدمنا بيانها في القواعد -.
وتقديم الكفارة على الحنث، من تقديم الشيء على شرطه، وذلك لأن السبب هو اليمين.
وتقديم الزكاة على الحول ، هو كذلك من تقديم الشيء على شرطه، ولكن تقديم الزكاة على بلوغ المال للنصاب الزكوي هو من تقديم الشيء على سببه.
وتقديم ذبح هدي التمتع والقران عن يوم النحر  ليس من تقديم الشيء على سببه- الذي هو الإحرام - وإنما هو من تقديم الشيء على شرطه فيكون جائزاً.
 فإن قيل : هو من تقديم الشيء عن وقته- الذي نحر فيه النبي صلىرالله عليه وسلم - 
وفعله المجرد لا يدل على الوجوب، ولكن قياسه على دم الأضحية - الذي لا يشرع إلا في يوم النحر ، وأيام التشريق -  بجامع كونهما دماً يتقرب به إلى الله تعالى .

فالجواب : أن قياس دم التمتع على دم الأضحية قياس مع الفارق - كما سبق - ومن الفوارق أن نحر دم الأضحية لا يكون مشروعاً إلا بعد صلاة الإمام للعيد( من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ) ولا يشترط ذلك في دم الهدي.

وقد يستدل بحديث ابن عباس( لم يرخص في أيام التشريق أن يَصُمْن إلا لمن يجد الهدي) فيوم النحر لا يجوز صيامه على أي حال بالاتفاق، وأيام التشريق يرخص فيه فقط لمن لم يجد الهدي، لأن الهدي لا يجزيء إلا في هذه الأيام الأربعة، فإذا لم يجد فيها : صام ثلاثة أيام في الحج وهي الأيام الثلاثة من أيام التشريق، ولو جاز له الذبح من وقت الدخول في النسك، لما جاز له أن يؤخر حتى يصم في أيام التشريق التي هي من أعياد المسلمين .

والجواب عنه : سبق بيانه .

@ وجه تحديد التقييد بعشر ذي الحجة في ذبح هدي التمتع :
وهو رواية أبي طالب عن الإمام أحمد : أنه إن قدم به قبل عشر ذي الحجة جاز ذبحه، وإن قدم به بعد دخول العشر فإنه لا يذبحه إلا يوم النحر، فهذه الرواية مبنية على مصلحة مرسلة، وذلك أنه جاء في رواية أبي طالب كما في [المغني]، أنه قال: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي، قال: ينحره بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره حتى لا يضيع أو يموت أو يسرق. انتهى المقصود.

ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور ثلاثة:

أحدها : أن العمل بالمصلحة المرسلة مشروط بعدم مخالفتها نصاً، وقد خالفت النص هنا، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر ذبح الهدي إلى يوم النحر قصداً، وقال صلى الله عليه وسلم: : ( خذوا عني مناسككم ).

 مع أن الأرجح ، أن المصالح تنقسم إلى قسمين فقط، مصالح معتبرة ، ومصالح ملغاة، والمصلحة المرسلة منها ماهو معتبر فيدخل في القسم الأول، ومنها ما هو ملغى فيدخل في القسم الثاني.

الثاني : أنها منتقضة، فإن التعليل بخوف الموت والضياع والسرقة وارد أيضاً على الهدي إذا قدم به بعد دخول العشر؛ لأن العشر يحتمل أن يموت فيها الهدي أو يضيع أو يسرق.

الثالث : أن التحديد بالعشر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع.

 @ وجه تقييد ذبح هدي التمتع بالعمرة :
وأما من قال بجواز ذبحه بعد الإحرام بالعمرة، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول أبي الخطاب من الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم، فاستدل له بالكتاب، وهو قوله تعالى: 
( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )

وجه الدلالة : ما ذكره الشيرازي وغيره: أن هدي التمتع والقران له سببان: هما العمرة والحج في تلك السنة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإتيان بالمسبب كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول كاف في وجوب الصوم وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع من وجوب سابقه في الجملة.

ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن هذا مجرد فهم للآية باجتهاد عارضه نص، ومن القواعد المقررة في باب الاجتهاد: لا عبرة بالاجتهاد في مقابلة النص .
فلا يجوز الاجتهاد مع النص، والنص هو قوله تعالى:   ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بالبيت العتيق ).

@ وجه تقييد ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة :
وأما من قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وهو قول للشافعية ومن وافقهم من أهل العلم، فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:

أما الكتاب : فقوله تعالى:  ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ).

 ووجه الاستدلال بها مع المناقشة يقال فيه ما قيل عند الاستدلال بها للقول قبل هذا.

وأما السنة : فما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية )
 وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.

وجه الدلالة: قال النووي : فيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج .

ويمكن أن يجاب عن ذلك بثلاثة أمور :

أحدها : أن يقال: لا منافاة بين هذا الحديث وبين ما سبق من أدلة السنة للقول الأول وما جاء في معناها؟ فإن جميعها يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المفرد والقارن اللذين لم يسوقا الهدي بالتحلل، وأمر بالهدي وأمر باشتراك السبعة في البدنة، إلا أنه في هذا الحديث نسق أمرهم بالهدي، وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمره إياهم بالفسخ بدون فاصل؛ متبعاً ذلك قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) وليس في تلك الأحاديث هذه اللفظة ولا ذلك التنسيق؛ فمن هنا نشأ الخطأ في استدلال من استدل بهذا الحديث حيث لم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وبين زمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله: (وذلك) إلى زمن الذبح وإنما هي إشارة إلى زمن الأمر، والمراد: أن زمن الأمر بالفسخ وزمن الأمر بالهدي والاشتراك فيها زمن واحد، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم، وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج ألبتة قبل يوم النحر، فيكون الحديث حجة عليهم لا لهم وهذا يسمى عند الأصوليين بالقلب.

الثاني : أنه على تقدير أن قوله: (وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم) هذا الحديث مخالف لما سبق، فيقال فيه: إن هذه الزيادة شاذة، ووجه شذوذها مخالفتها لما سبق من الأدلة الصحيحة الخالية من هذه الزيادة، ومدارها على محمد بن بكر البرساني، وقد رواه عن جابر عدول عن طريق أبي الزبير المكي أئمة: مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو خيثمة ومطر الوراق وسفيان بن عيينة، وجميع رواياتهم خالية من هذه الزيادة.

الثالث : أن هذا من الأمور التي تتوافر الهمم والداوعي على نقلها، فلو وقع أمره صلى الله عليه وسلم للصحابة بأن يذبحوا الهدي بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج- لسارعوا إلى الامتثال، كما سارعوا إلى امتثال أوامره من لبس الثياب والتطيب ومجامعة النساء وغير ذلك، ولو وقع ذلك لنقل، فلما لم ينقل دل على عدم وقوعه ولم يأمرهم بالتحلل من العمرة إلا أنهم ليس معهم هدي.

وأما المعنى : فقال الشيرازي : إنه حق مالي يجب بشيئين، فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب.

ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي في مقابل نـص ولا اجتهاد مع النص، وقد مضى ذلك.

@ وجه تقييد ذبح هدي التمتع بعد الإحرام بالحج :
  وأما من قال من الشافعية ومن وافقهم بأنه يجوز بعد الإحرام بالحج فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعنى:

أما الكتاب : فقوله تعالى:  ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )

وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي وغيره من أن الله أوجب الهدي على المتمتع، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعاً، فوجب حينئذ؛ لأنه يطلق على المتمتع وقد وجد، ولأن ما جعل غاية تعلق الحكـم بأوله، كقوله تعالى : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ).

 فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام.

ويجاب عن الاستدلال بهذه الآية : بما أجيب به عن الاستدلال بها لمن قال بجواز ذبحه إذا أحرم بالعمرة أو بعد تحلله منها وقد سبق.

ويجاب أيضاً : بأن المتمتع لا يتحقق بإحرام الحج لاحتمال أن الحج قد يفوته بسبب عائق عن الوقوف بعرفة؛ لأنه لو فاته لا يسمى متمتعا.

أما السنة فقد استدلوا بأدلة :

الأول : ما رواه مسلم في [صحيحه] قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية )
وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث.

وجه الدلالة : قد يقال: إن هذا الحديث يدل على جواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، فيدل بطريق الأولى على جوازه بعد الإحرام بالحج.

وقد مضت مناقشة هذا الدليل عند الاستدلال به لمن قال بجواز ذبحه بعد التحلل من العمرة، وبهذا يتبين أنه لا دلالة فيه . 
ويجاب ثانياً بما أجيب به من الوجه الثاني عن الاستدلال بالآية.

الدليل الثاني : ما أخرجه الحاكـم في [المستدرك] قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء، عن جابر بن عبد الله قال: كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجاً حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل

أمرنا بالإحلال... الحديث إلى أن قال: قال عطاء : قال ابن عباس رضي الله عنهما: 
( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اصرخ، أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا؟ ) .
الحديث ثم قال الحاكم بعد إخراجه هذا الحديث: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على تصحيحه.

ومحل الشاهد من هذا الحديث: قوله: (فأصاب سعد بن أبي وقاص تيساً فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ...) إلخ.

وجه الدلالة قد يقال : إن عطف الوقوف بالفاء على ذبح سعد تيسه عن نفسه يدل على جواز ذبح الهدي بعد الإحرام بالحج.

والجواب : أن ذبح سعد للتيس كان يوم النحر، بدليل ما رواه الإمام أحمد في [مسنده] قال: (حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة مولى ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنما يوم النحر في أصحابه، وقال: اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس ).
 وقد ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد] وقال: أخرجه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح، فرواية الإمام أحمد مفسرة لرواية الحاكـم، حينئذ لا دلالة في الحديث.

وأما المعنى فمن وجوه :

أحدها : ما ذكره الشيرازي بقوله: إن شرائط الدم إنما توجد بوجود ا لإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به، انتهى.

ويمكن أن يناقش ذلك: بأنه دليل اجتهادي ولا اجتهاد مع النص، وقد سبق ما يدل على خلاف ذلك عند الكلام على أدلة المذهب الأول.

الثاني : ويجاب أيضا: بما أجيب به من الوجه الثاني عن الآية التي استدل بها أهل هذا القول. ما سبق من المناقشة لاستدلال أهل القول الأول بقوله تعالى:  (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )
والمحل المقصود من المناقشة جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر قياساً على جواز الصيام؛ لأنه بدله، والبدل له حكـم المبدل منه.

الثالث : ويجاب عنه هنا بما أجيب به عنه هناك، تركنا إعادته هنا اختصارا. ما ذكره النووي بقوله: (ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران).

ويناقش ذلك : بما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه [زاد المعاد]، من أنه دم شكران لا دم جبران  .

ويمكن أن يناقش ثانياً : بأنه قياس مع النص، فقد وردت أدلة دالة على ذبحه يوم النحر وسبقت من أدلة القول الأول، فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار.

الراجح : الذي يترجح في نظري والعلم عندالله تعالى : أن ذبح هدي التمتع والقران  لا يكون مجزئياً إلا في يوم النحر وأيام التشريق، وهو قول الجمهور ، وذلك لأن الحلق لا يكون مشروعاً للحاج إلا في يوم النحر، وهذا هو المقرر عند الصحابة في عصر النبوة ( جاء رجل فقال :( نحرت قبل أن أحلق) فقال ( أفعل ولا حرج ) وما سئل عن شيء يومئذ قدم ولا أخر إلا قال أفعل ولا حرج) يومئذ: يدل على أن النحر من أعمال يوم النحر، فلا يجوز تقديمه على وقته كما لا يجوز تقديم الحلق للحاج قبل يوم النحر، والله تعالى أعلم .

كتبه / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شحن السلع مجاني

الشراء عبر الإنترنت - وطرق شحن معتمدة

حجز السلع عبر الإنترنت