( فقه آيات الأحكام ٢ )
حكم سب آلهة المشركين :
———————
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم ثُمَّ إِلى رَبِّهِم مَرجِعُهُم فَيُنَبِّئُهُم بِما كانوا يَعمَلونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
- شرح مجمل للآيه الكريمة ثم نذكر بعد ذلك فيما يتعلّق فيها من مسائل :
اولاً : سبب نزول الآيه: والقاعدة تقول ( سبب النص قطعي الدخول في النص )
لما حضر أبا طالب الموتُ، قالت قريش: انطلقوا بنا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب:"كان يمنعه فلما مات قتلوه"!
فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإنّ محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحبّ أن تدعوه فتنهاهُ عن ذكر آلهتنا، ولندَعْه وإلهه! فدعاه، فجاء نبي الله ﷺ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك! قال رسول الله ﷺ: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك! قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم! فقال النبي ﷺ:"أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدَّت لكم الخراج؟
قال أبو جهل: نعم وأبيك، لنعطينكها وعشرَ أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا:"لا إله إلا الله"! فأبوا واشمأزُّوا. قال أبو طالب: يابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها! قال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يديّ،ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يديّ ما قلت غيرها! إرادةَ أن يُؤْيسهم، فغضبوا وقالوا لتكفّنَّ عن شتمك آلهتنا، أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك. فذلك قوله ﴿فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ .
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ) : هنا نهي عن سب آلهة المشركين سبّهم يترتّب عليه مفسدة أعظم وهي سب الله جلّ في علاه.
وسبّهم مشروع إلا إذا ترتّب عليه مفسدة أعظم .
السب : هو أن تنسب لهم النقص والعيب.
وهذه الآية تدل على قاعدة مهمة وهي: ( كل مباح ترتّب عليه فتنة - أو مفسدة - يقيناً او غلبة للظن أو وقوع في المحرم فهو حرام )
( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ) : تجاوزاً منهم وجهلاً .
( كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم ثُمَّ إِلى رَبِّهِم مَرجِعُهُم فَيُنَبِّئُهُم بِما كانوا يَعمَلونَ )
وفي هذا دليل على البعث والنشور والمحاسبة والجزاء وفيه تخويف باليوم الآخر لمن آمن باليوم الآخر، فإذا عرف الإنسان أنه يبعث ويسأل عن ما كان يفعله أحسن بفعله قبل حسابه .
هذه الآيه فيها مسألتان :
المسألة الأولى:
اتفق العلماء على أن معنى الآية: لا تسبّوا آلهة الكفّار فيسبّوا إلهكم وكذلك .
فمنع الله تعالى في كتابه أحداً أن يفعل فعلاً جائز يؤدي إلى محضور؛ ولأجل هذا تعلّق عُلماؤنا بهذه الآيه في سد الذرائع، وهو كل عقدٍ جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور.
والقاعدة : كل مباح يؤدي إلى محرم يقيناً أو غلبة للظن فهو محرم .
للآية السابقة ، ولقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انطرنا …) لأن كلمة راعنا عند اليهود بمعنى : اسمع لا سمعت ، فيجعلون هذه الكلمة مسبة للرسول صلى الله عليه وسلم . وإلى غير ذلك من الأدلة الدالة على مشروعية سد الذرائع وقد تقدمت في القواعد.
المسألة الثانية:
هذا يدل على أن للمحقِّ أن يكُفَّ عن حق يكون له واجب إذا أدَّى ذلك إلى ضرر يكون في الدين ؟
لقوله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )
فلا يجوز لصاحب الدين أن يشتكي المعسر الذي لا يستطيع السداد يقيناً أو غلبة لظنه ، ولا يجوز له أن يتسبب في سجنه ، لكونه معسراً.
والله أعلم .
محمد بن سعد الهليل العصيمي.
كتبه عنه تلميذه : مقرن بن ماجد الذيابي .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق