المقدمات والممهدات في علم القواعد الفقهية :
( المبادي المتعلقة بعلم القواعد الفقهية / ماجستير أصول الفقه ):
( الجزء الثاني):
————————————
1 - مصادر تكوين القاعدة الفقهية : مصدرها النص من الكتاب والسنة سواء كان مباشرة ،كقاعدة :( لا ضرر ولا ضرار ).
أو غير مباشر وإنما عن طريق الاستدلال والاستنباط .، كقاعدة :( المشقة تجلب التيسير).
وهي تتفاوت بحسب ما استندت عليه من الأدلة.
وبناء على ذلك فإن ماثبت من القواعد الفقهية بالقياس، كقاعدة :( الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان) ، فهو داخل تحت الأخذ بالنص المباشر لدلالة النص على مشروعيته، أو غير مباشر ، وإنما عن طريق الاستدلال والاستنباط ، لكون القياس يحتاج إلى استنباط والمشاركة في العلة من عدمها .
وكذا يقال في الاستصحاب كقاعدة :( الأصل براءة الذمة ).والمصالح المرسلة ، كقاعدة : ( المباح إذا ترتب عليه فتنة كان حراماً).والاستدلال العقلي من تلازم بين حكمين أو تناقض، أو بالنظر في الاجتهاد في العلة من تحقيق مناط أو تنقيحه أو تخريجه، كقاعدة :( إذا سقط الأصل سقط الفرع)، وقاعدة :( ما جاز لعذر بطل بزواله)،
وقاعدة :( إذا جاء دليل النقل بطل دليل العقل).
وقاعدة :( تغير الأحكام بتغير الزمان).
فكلها راجعة إلى النص المباشر أو غير المباشر بطريق الاستدلال والاستنباط( وما يعقلها إلا العالمون).
2 - الطرق والمسالك التي يتوصل بها إلى تقعيد القاعدة الفقهية هي: الاستنباط ، والاستقراء.
وهذا الاستنباط يرتبط بدائرة علم أصول الفقه وتعتبر القواعد الأصولية هي عمدة الفقيه في تقعيد القواعد الفقهية واستنباط أحكامها الكلية أو الأغلبية ، لأن أصول الفقه هي قواعده وأسسه التي يتوصل بها إليه، وتفضي بالفقيه إلى العلم بالأحكام الشرعية.
وعلى هذا : فإن سبيل معرفة الحكم هو : الاستنباط.
وسبيل ادراك اندراج الجزئيات هو: الاستقراء.
3 - تعريف الاستثناء في علم القواعد الفقهية : هو الإخراج من حكم القاعدة بأن تعطى المسألة أو القاعدة المستثناة حكماً آخر يخالف حكم القاعدة .
4 - إذا كانت القواعد الفقهية : أغلبية في الأعم الأغلب فلا نحتاج إلى ذكر مستثنيات تلك القواعد، لأنها ليست كلية .
وإذا كانت تلك المستثنيات لعلة معقولة، فلا حاجة إلى ذكر تلك المستثنيات، بل تكن من علم الفروق، وهو علم يفرق بين القواعد المتشابهة ، وبين المسائل المتشابهة في الظاهر مع وجود فرق حقيقي مما يجعل الشبه الظاهر لا يكون سبباً في الجمع بينهما في الحكم .
وإذا كان الاستثناء لوجود مانع ، فلا حاجة لذكر الاستثناء من القاعدة : لأن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه.
وإذا كان المستثنى متفقاً عليه، فذكره من باب التوضيح وعدم التوهم ، ولخروجه بالإجماع أو بالنص.
فالاعتبار في الاختلاف الحقيقي لا الصوري.
وقد يكون سبب الاستثناء توقع التعارض بين قاعدتين
مثل قاعدة : الأصل في الأشياء الإباحة.
وقاعدة : الأصل في الأبضاع التحريم .
والجواب عن ذلك : أن هذا تعارض نسبي لا حقيقي.
إذ الجمع بينهما هي بقاعدة : الأصل الأقرب في الباب مقدم على الأصل الأبعد.
والأصل الأقرب في باب الأبضاع كعدم معرفته لأخته من الرضاع بين أجنبيات محصورات، يقدم على قاعدة : الأصل في الأشياء الإباحة .
وكذا الضرورة ، والحاجة التي تنزل منزلة الضروة ، ليست من مستثنيات القاعدة ، بل هي ترك الشيء للعذر الشرعي.
5 - حكم الاستدلال بالقواعد الفقهية على الفروع الفقهية :
القاعدة الفقهية تختلف قوتها في الاحتجاج بحسب قوة ما تستند إليه تلك القاعدة من الأدلة، وقد يكون استنباطها صريحاً جلياً وقد يكون خفياً دقيقاً، وقد يكون ذلك الاستنباط صجيحاً وقد يكون فيه نظر، وورود كثير منها بطريق لا غبار عليه، لا يعني أن الكل على شاكلته .
والرجوع إلى أصل الدليل الدال على القاعدة والاستدلال به على على الفرع أولى من الاستدلال بالقاعدة التي هي فرع الدليل على الفرع الفقهي، إذ أن نسبة الخطأ بعدم الرجوع إلى الأصل أكثر من نسبة الخطأ في حال الرجوع إلى الأصل، اللهم إلا إذا كانت الحاجة ليست بداعية إلى الرجوع إلى الأصل لكون معنى القاعدة متقرر بالأدلة التي لا تحتاج إلى نقاش أو تقرير ذلك نتيجة عقلية أو نحو ذلك ، فإن تقرير المقرر معلوم بالعقل والشرع، فيكتفى حينئذ بالقاعدة دون ذكر دليلها .
علماً بان أكثر القواعد الفقهية ناتج عن تتبع واستقراء للفروع الفقهية من نظر فقيه وعالم يفيد ظن راجح فيما توصل إليه فيكون تقريره حجة ما لم يعارض بمثله أو أقوى منه، ، فيكون الاستقراء والتتبع من الفقيه للفروع الفقهية يفيد ظناً غالباً يعمل به في الأحكام الشرعية ما لم يعارض بمثله.
ولأن الأصول التي استندت إليها القواعد الفقهية تعتبر دليلاً شرعياً ، فالذي يلحق بجملة غير يسيرة من النظائر المشابهة له في القاعدة أولى من الذي يلحق بفرع واحد وهو القياس، ولأن العمل بالظن الغالب واجب.
وبناء على ذلك فإن القاعدة الفقهية يستدل بها لما يلي
أ - لأنها تفيد الظن الغالب، والواجب العمل بالطن الغالب.
ب - ولكونها أولى من القياس الذي هو إلحاق النظير بنظيره لعلة جامعة بينهما، فالقاعدة التي هي إلحاق النظير بنظيره في الفروع المتشابهة من باب أولى ، لكثرة الشبه من أكثر من وجه.
اللهم إلا إذا أفسد المستدل عليه أصل القاعدة بدليل راجح أو مساو .
والأصل في الأمور العارضة العدم .
فكما أن القاعدة الفقهية تعتمد على القرآن والسنة والإجماع والقياس واللغة والاستصحاب ، فهي أيضاً كذلك تعتمد على بقية الأدلة الاجتهادية الأخرى من القراءة الشاذة والاجماع السكوتي وقول الصحابي، وسد الذرائع، فالاعتماد على هذه الأدلة الأخيرة مختلف فيه ، فإذا كان الفقهيه لا يعتبرها حجة والقاعدة مبنية عليها ، فالفرع أضعف من الأصل، وحينيئذ لا يحتج بتلك القاعدة لكونها معتمدة على ما ليس عنده بحجة.
ومثل ذلك القاعدة المستنبطة من النص مع الاختلاف في ذلك الاستنباط .
وذلك أن ارتباط الاستدلال بالقاعدة عند المجتهد مرتبط بثبوت القاعدة وصحتها، واطرادها من عدمه، وعلاقة القاعدة بالمسألة من حيث دخول تلك المسألة في تلك القاعدة أو في غيرها، مما يكون له أثر في الاستدلال بالقاعدة الفقهية على الخلاف الفقهي.
والله أعلم .
محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة/ جامعة أم القرى / مكة المكرمة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق