القواعد والضوابط من بلوغ المرام:
يوم الإثنين ، الموافق ١٤٤٤/٢/٢٣ من الهجرة
——————————————————
(باب أحكام النكاح)
——————————————————
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: [قال رسول الله ﷺ :((إنَّ أَحَقَّ الشَّروطِ أَنْ يُوفَى به، ما اسْتَحْلَلْتُمْ به الفُرُوجَ)). -متفق عليه- ]
قوله ﷺ:-
- ((إن)): حرف توكيد ونصب،
- ((أحق)): اسم إن.
- ((الشروط)): الشرط في لغة العرب: العلامة، وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
والشروط إما أن تكون (شرط عقد)، وإما (شرط في عقد)،
(فشرط العقد): هو الشرط الشرعي الذي جعله الشارع شرطاً ليس لأحد من المخلوقين أن يخلفه.
فكل شرط في العقد يخالف شرط العقد فهو باطل.
- وشرط العقد : شرط الشارع ومقتضاه الشرعي، والشرط في العقد من وضع المخلوق-
فكل شرط يخالف شرع الله وسنة رسوله فهو باطل.
وكل شرط يخالف العقد من كل وجه فهو باطل،
وكل شرط يعود على النص بالابطال فهو باطل
وكل اجتهاد يعود على النص بالابطال فهو باطل.
والشرط إن كان شرط الله عز وجل -حق لله- فليس لأحد أن يشترط ضده. فإن اشترط هذا الشرط الباطل! فإنه يجوز أن نشترط شرطاً باطلاً لتحقيق بطلانه؛ ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة أنها جَاءَتْ لعائشة رضي الله عنها، فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْتُ أهْلِي علَى تِسْعِ أوَاقٍ في كُلِّ عَامٍ وقِيَّةٌ، فأعِينِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدَّهَا لهمْ عَدَّةً واحِدَةً وأُعْتِقَكِ، فَعَلْتُ، ويَكونَ ولَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إلى أهْلِهَا فأبَوْا ذلكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إنِّي قدْ عَرَضْتُ ذلكَ عليهم فأبَوْا، إلَّا أنْ يَكونَ الوَلَاءُ لهمْ، فَسَمِعَ بذلكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلَنِي فأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((خُذِيهَا، فأعْتِقِيهَا، واشْتَرِطِي لهمُ الوَلَاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لِمَن أعْتَقَ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عليه، ثُمَّ قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ، فَما بَالُ رِجَالٍ مِنكُم يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليسَتْ في كِتَابِ اللَّهِ، فأيُّما شَرْطٍ ليسَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَهو بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مِئَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أحَقُّ وشَرْطُ اللَّهِ أوْثَقُ، ما بَالُ رِجَالٍ مِنكُم يقولُ أحَدُهُمْ: أعْتِقْ يا فُلَانُ ولِيَ الوَلَاءُ، إنَّما الوَلَاءُ لِمَن أعْتَقَ)) رواه البخاري-، فأرشد ﷺ إلى اشتراط الشرط الباطل من أجل تحقيق بطلانه،
ووجوده كعدمه؛ لأن أي شرط من من المخلوق يخالف فيه شرط الخالق فلا عبرة به.
وفي الحديث( إنما الطاعة في المعروف): أي المعروف شرعاً، والمعروف عرفاً ما لم يخالف الشرع.
أما (الشرط في عقد) وهي التي من المخلوق فإنها لا تخلو من أحوال:-
- أن تكون شروط صحيحة ونافذة: وهي التي لا تخالف الكتاب والسنة.
- وإما أن تكون شروط فاسدة ومفسدة للعقد:
وضابطها:-
١/ أن كل شرط يعود على فقدان العقد لشرط من شروطه، أو ركن من أركانه، مثاله: أن يقول لخطيبته أتزوجك بشرط ألا يكون بيننا ولي عنك
٢/ أو يرجع على العقد بالابطال لوجود مانع، مثاله: أن يقول للمعتده أتزوجك بشرط قبل أن تنتهي عدتك، فيتحقق وجود المانع والعقد لا يتم إلا بتوفر شروطه وانتفاء موانعه.
٣/ أو يخالف مقتضى العقد من كل جانب، مثاله: أن يقول البائع بعتك هذه السيارة بشرط ألا اهبها ولا تورّثها ولا تنتفع بها. فهذا مخالف لشرط الشارع.
٤/ أو يخالف المقصود الأعظم للشارع، كالنكاح مثلاً فالمقصود الاعظم منه المعاشرة، فلو اشترط الولي على الزوج ألا يعاشرها، فيكون بذلك شرطه فاسدًا مفسداً للعقد. وقتضى شرط العقد الشرعي : مشروعية المعاشرة بموجب عقد النكاح وهو مقصوده الأعظم .
- وإما أن تكون شروط فاسدة و غير مفسدة للعقد:
فهذا لا يخلو من حالين:
1. أن يعلم ببطلان الشرط، فيجوز اشتراطه لأجل تحقيق بطلانه،
2. وإن لم يعلم المشترط بطلان الشرط ، فله الخيار بين الامضاء والفسخ إذا علم .
واختلف العلماء رحمهم الله في الشروط هل الأصل فيها الصحة أو المنع؟
فالجمهور على أن الاصل فيها المنع إلا ما دل الدليل على جوازه؛ أخذًا بظاهر حديث ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)).
والقول الثاني أن الاصل في الشروط الصحة؛ أخذًا بهذا الحديث وغيره من الأدلة ومنها قوله تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود))، وحديث ((إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج))، وقوله ﷺ:(( المسلمون على شروطهم))، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الأصل في الشروط الصحة، وأما حديث ((كل شرط ليس في كتاب الله)) أي ليس في كتاب الله مشروعيته بعموم ولا خصوص، وأما غيره فالاصل فيه الصحة.
قوله ﷺ: (( ما استحللتم)): (ما) هنا صيغة عموم؛ لأنها من الاسماء الموصوله، والاسماء الموصوله تدل على العموم وهي من صيغ العموم، وهي بمعنى (الذي): أي الذي استحللتم به الفروج من الشروط: يعني أنه هذا الفرج لم يكن حلالاً إلا بهذه الشروط، فيجب الوفاء به، وبهذا نستدل على أن الاصل في الشروط الصحة،
وأن أعظم الشروط أن يوفى به ما استحلل به الفروج،
وأن الشروط تتفاوت في القوة بعضها عن بعض.
ومما يستفاد من الحديث:-
١/ قاعدة: الأصل في الأبضاع التحريم.
- موضعها من الحديث:(حديث عقبة).
- العلاقة بينهما: ودليلها عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ، قالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقالَتْ: إنِّي قدْ أرْضَعْتُكُمَا، فأتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: (( وكيفَ وقدْ قيلَ، دَعْهَا عَنْكَ))، أوْ نَحْوَهُ. -رواه البخاري-،
فيعني ذلك أنه لو فرضنا أن فيه شك فالأصل في ذلك التحريم. وفي ذلك قاعدة أخرى وهي:
٢/ قاعدة: فرق بين انتفاء الشرط ووجود المانع،
- موضعها من الحديث:(سبق).
- العلاقة بينهما: أن المرأة لو حاضت آخر العصر في رمضان، فسد صومها ووجب أن تقضيه، والحالة الثانية أنها لو أفطرت في رمضان قبيل المغرب ظناً منها أن الشمس غربت، وتبين أنها لم تغرب بعد، امسكت عن الأكل وأتمت صومها ولا قضاء عليها؛ لأن في الحالة الأولى تبين وجود مانع، وفي الثانية انتفاء شرط،
أيضا في السؤال عنه المانع كما في القاعدة التالية :
٣/ قاعدة: السؤال عن المانع المتوقع مشروع، والسؤال عن الشرط المتوقع غير مشروع وهو تنطع.
- موضعها من الحديث:(سبق).
- العلاقة بينهما: ودليل ذلك حديث عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أنَّ قَوْمًا قالوا للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا باللَّحْمِ، لا نَدْرِي: أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه أمْ لَا؟ فَقالَ ﷺ : ((سَمُّوا عليه أنتُمْ وكُلُوهُ))، قالَتْ: وكَانُوا حَديثِي عَهْدٍ بالكُفْرِ. -رواه البخاري-.' وهذا توقع انتفاء شرط
لأنهم حديثوا عهد بإسلام ، وذكر التسمية شرط في ذبح الذبيحة، واحتمال عدم تسميتهم متوقع لكونهم حديثوا عهد بإسلام ، فلا يشرع السؤال عنه،
أما وجود المانع فيشرع السؤال عنه كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: تُوفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فغسَّلْناه، وحنَّطْناه، وكفَّنَّاه، ثم أَتَيْنا به رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلنا: تُصلِّي عليه؟ فخَطا خُطًى، ثم قال ﷺ :((أعليه دَينٌ؟))، قلنا: دينارانِ، فانصَرَفَ، فتحَمَّلَهما أبو قَتادَةَ، فقال أبو قَتادَةَ: الدِّنيارانِ عليَّ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : ((حَقُّ الغَريمِ، وبَرِئَ منهما الميِّتُ؟ ))، قال: نَعَمْ، فصلَّى عليه .
الديناران: عمله ذهبية تقدر (بأربعة جرامات وربع)، (والدينار) الواحد يساوي (مثقال)،
فالشاهد أنه ﷺ سأل عن المانع المتوقع وهو الدين، وفي حال الذبائح لم يسأل عن الشرط المتوقع تركه.
——————————————————
حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: [نَهَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ] -متفق عليه-.
٤/ قاعدة: هل النهي يقتضي الفساد أو لا يقتضيه؟
إذا كان النهي في (العبادات)، فله حالتان؛-
1. إن كان [يختص بالعبادة] فهو يقتضي الفساد.
2. وإن كان [لا يختص بالعبادة] فلا يقتضي الفساد.
وإذا كان النهي في (المعاملات)، فله حالتان:-
1. إن كان النهي يعود [لحق الله]، فيقتضي الفساد.
2. وإن كان يعود [لحق المخلوق]، فلا يقتضي الفساد.
- موضعها من الحديث:(نهى رسول الله).
- العلاقة بينهما: النهي هو طلب الكف، على وجه الاستعلاء بصفة مخصوصة.
ودليل هذه القاعدة حديث معاوية السلمي رضي الله عنه قال: بيْنَا أنَا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ علَى أفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَبِأَبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فَوَاللَّهِ، ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي ولَا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ)) وفي لفظ:((وقِرَاءَةُ القُرْآنِ ))أَوْ كما قالَ ﷺ - رواه مسلم-.
فمثال النهي في العبادات:-
الكلام بكلام البشر في الصلاة مبطل لها بالاجماع، إما في غير الصلاة فلا بأس، أما لو كان الانسان في صلاته وجاء بجانبه رجل فوكزه بيده فلا تبطل صلاته ولو تضرر الآخر؛ لأن الإضرار بالآخرين منهي عنه في الصلاة وفي غيرها، فالنهي لا يختص بذات العبادة،
أما في فعل الصحابيالوارد في حديث معاذ السابق النهي يختص بذات العبادة فيبطلها إن تعمد ذلك.
وكذا في حال المعتكف: فلو أنه باشر زوجته وهو معتكف بطل اعتكافه، أما لو اغتاب أو نم بأحدٍ فلا يبطل اعتكافه؛ لأن النهي بالمباشرة خاص بعبادة الاعتكاف. وقد يكون وزر الغيبة والنميمة أكثر من أجر اعتكافه.
وكذا في الصيام لو أفطر في نهار رمضان بطل صيامه، أما لو اغتاب أو نم لم يبطل صيامه.
أما أمثلة النهي في المعاملات:-
كمن اشترط على المدين أن يرد له الخمسين ريال بمائة ريال، فلا يجوز ذلك ولو تراضيا؛ لأن النهي هنا يعود لحق الله تبارك وتعالى،
أما قوله ﷺ:((لَا يَبِعِ الرَّجُلُ علَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ علَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ له))، فهنا يعود لحق المخلوق،
وقوله ﷺ:((لا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فمَن تَلَقَّاهُ فاشْتَرَى منه، فإذا أتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهو بالخِيارِ))،
وقوله ﷺ:((مَنِ اشْتَرَى شاةً مُصَرَّاةً فَهو بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إنْ شاءَ أمْسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها وصاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْراءَ))،
….
قوله ﷺ :((نهى ﷺ عن المتعة)): المتعة: هي النكاح المحدد بمدة معينة، وهو منتشر عند الرافضة.
حكمه: كان في بداية الإسلام حلال ثم حرّم ثم أبيح ثم حرّم إلى قيام الساعة، فالتحريم ناسخ للأحكام السابقة، فهو من أنواع الأنكحة الباطلة .
٥/ قاعدة: النية الجازمة تنزل منزلة الفعل في المأمورات والمحضورات.
٦/ قاعدة: ترجيح قصد الفعل في المأمورات ينزل منزلة الفعل.
٧/ قاعدة: ترجيح قصد الفعل في المحضورات لا ينزل منزلة الفعل.
- موضعها من الحديث:(حديث علي).
- العلاقة بينهما: أنه لو حصل من رجل مسافر تزوج أمرأة من أهل تلك البلاد وفي نيته أن يطلقها قبل عودته إلى بلادة، فعلى القول الراجح أن هذا نكاح متعة لأنه جازم؛ ودليل ذلك قوله ﷺ:((لعن الله المحلل والمحلل له))، وهو التيس المستعار ؛ لأنه قصد بنكاحه لهذه المرأة إباحتها لزوجها الأول، وهذا لا يعرف حاله لأن نيته لم يظهرها وهو عازم عليها عند حدوث العقد فكذلك حرم النكاح بنية الطلاق.
وكذا زواج المسيار: وهو أن تسقط المرأة شيئًا من واجبات الزوج عنها لمصلحة معينة.
فلو كان هذا المسيار بنية الطلاق صار حرامًا، وكذا لو كان هذا المسيار طريقاً منظماً للدعارة صار حرامًا، ولو غلب على ظنه أن هذه المرأة التي تزوجها مسيارًا أنها متزوجة غيره اثنين أو ثلاثة صار حرامًا.
وإذا غلب على ظنه فساد المرأة بهذه الصورة من النكاح كان حراما.
والقاعدة : المباح إذا ترتب عليه فتنة كان حراماً- وقد سبقت في القواعد -
وتسميته بالمسيار لا يغير الحقائق، كمن يسمي الخمر مشروباً روحانياً ، لا تتغير الحقيقة بذلك، كذلك الزنا لو سمي بعلاقة حب فلا تتغير الحقيقة، وكذا المعازف لو سميت بالشيلات لا تتغير حقيقتها،
كقول الشاعر: أسماء مملكة في فير موضعها … كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد.
٨/ قاعدة: المباح إن ترتب عليه فتنة كان حرامًا.
- موضعها من الحديث:(سبق).
- العلاقة بينهما: فلو ترتب على زواج المسيار ضياع المرأة بين من انتقلت له الولاية وبين أهلها فيضيعها بذلك الزوج كان حرامًا.
——————————————————
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( كان رسولُ اللهِ ﷺ يأمُرُ بالباءةِ وينهى عن التَّبتُّلِ نهيًا شديدًا ويقولُ: ((تزوَّجوا الوَدودَ الوَلودَ فإنِّي مُكاثرٌ الأنبياءَ يومَ القيامةِ )). -رواه أحمد وصححه ابن حبان- ].
قوله: (كان رسول الله ﷺ): كان: لها ثلاثة معان:-
1. قيل: أنها تدل على الدوام دائمًا.( وكان الله غفوراً رحيماً)
2. وقيل: أنها تدل على الدوام غالباً( كان يخطب في الجمعة ب(ق).
3. وقيل: تدل على حصول الفعل ولو مرة واحدة.
والراجح في أمرها: أنها بحسب السياق،
وقوله : (الباءة): أي الزواج،
وقوله: (التبتل): الانقطاع عن النكاح -أي الجماع-، وفي ذلك: عَنْ أَنَسٍ، أنَّ نَفَرًا مِن أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ علَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه. فَقالَ ﷺ: ((ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي))، وهذا بخالف هدي الأنبياء والمرسلين، قال تعالى :((ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية))، فلا ينقطع الانسان عن ذلك ولو كان لطلب العلم أو تعبداً لله، فهذا خلاف هدي النبي ﷺ .
وجاء في (التبتل) لفظ: (ولو لم ينهنا لاختصينا)،
وقوله :(نهيًا شديدًا): دليل على أن النهي ينقسم إلى قسمين:-
- نهي كراهة.
- ونهي تحريم:
فهو نوعان: ١/ نهي مؤكد، ٢/غير مؤكد،
بدليل قوله ﷺ: (( اجتنبوا السلع الموبقات))، وقوله ﷺ: (( ألا أنبئكم على أكبر الكبائر))، فدل على التفاوت بين الذنوب، كما أن الحسنات تتفاوت.
قوله ﷺ :((الودود)): هي كثيرة التودد للزوج، وهذا لا يعني عدم حصول الود منها أحياناً .
فالطائع سمي بذلك لكثرة طاعته لربه ولا يعني ذلك أنه لا يعصي، وكذا الفاسق سمي بذلك لكثرة فسقه ولا يمنع من ذلك أنه قد يرد منه طاعة لله تبارك وتعالى.
قوله ﷺ :((الولود)): كثيرة الولادة، ويعرف ذلك من قريباتها،
وقوله ﷺ :(فإني مكاثر بكم الانبياء يوم القيامة)): كثرة أتباع النبي تدل على فضله، لأن كلهم ينصبون في حسناته، وأكثر الأتباع أتباع النبي ﷺ، وبعده موسى ﷺ،
وهذا فيه دليل على مشروعية المكاثرة في الخير، بشرط أن يكون خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى.
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالَ سُلَيْمانُ بنُ داوُدَ عليهما السَّلامُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بمِئَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلامًا يُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ، فقالَ له المَلَكُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ ونَسِيَ، فأطافَ بهِنَّ، ولَمْ تَلِدْ منهنَّ إلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إنْسانٍ قالَ النبيُّ ﷺ :((لو قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وكانَ أرْجَى لِحاجَتِهِ)). -متفق عليه-
وقال الله تبارك وتعالى:(( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله))،
وقوله ﷺ :((إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)): هذه هي العلة من الزواج في الحديث، وهي مسلك من مسالك الاجتهاد في العلة، وهي ثلاثة مسالك:
1. تحقيق المناط
2. تنقيح المناط
3. تخريج المناط
ولا يخشى من التفكير في رزق هؤلاء الأبناء فإن الله هو الرازق، قال تعالى:(( وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين)).
وقال ﷺ:(( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانًا)).
فالله هو الرازق وهو المدبر، قال ﷺ:((إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعٍ: برِزْقِهِ وأَجَلِهِ، وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ))،
فلا يأخذ الانسان إلا رزقه ولا يموت حتى يستوفيه، ولا يتقدم أجله ولا يتأخر، قال تعالى:(( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون)).
وقوله ﷺ:(( يوم القيامة)): هو يوم الجزاء والحساب، لأن الانسان يمر على مراحل بعد خروجه من الدنيا، أولها يخرج من بطن أمه إلى الدنيا، ثم بعد ذلك البرزخ في القبر وهي زيارة؛ لقوله تعالى:((ألهاكم التكاثر(١) حتى زرتم المقابر)). ثم يخرج من عجب الذنب كما خلقه الله، حفاة عراة غرلاً، ثم إلى أرض المحشر وتدنوا الشمس ويعرق الناس حسب ذنوبهم، وهنالك سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثم بعد ذلك تنصب الموازين، ثم بعد ذلك دار القرار إما الجنة وإما النار.
-نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار-.
ومما يستفاد من الحديث :-
- أنه ينبغي للانسان أن تكون له نية طيبة قي كل عمل يعمله، ولهذا قال ﷺ:(( وفي بضع أحدكم صدقة))، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟، قال ﷺ:(( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟))، قالوا: بلى يارسول الله، قال ﷺ:((فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر))، وهذا يسمى عند الأصوليين بقياس العكس،
- الحديث فيه الترغيب لي الزواج، والترغيب فيه مبكرًا، قال الشافعي: أدركت جدة عمرها واحد وعشرون سنة،
بمعنى أنها تزوجت وعمرها تسع، وسنة للحمل والولادة، وهذه الطفلة تزوجت وأنجبت وعمرها عشر.
فعلى المرء أن يجتهد في ذلك، لأنه لو تزوج مبكرًا أنجب مبكرًا لأن سن الشباب من سن البلوغ وينتهي في الأربعين -على الراجح-.
- وفي الحديث دليل على أن تحديد النسل ليس من هدي الاسلام ولا تعليمه، بل هو من كيد الاعداء للأمة، فالهادي هو الله رب العالمين، وعليه أن يبذل الاسباب في تربيتهم وإصلاحهم، وعليه الاعتماد على رب العالمين، ومن أسباب صلاحهم الدعاء لهم، قال تعالى:(( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا)). ولهذا جاء النهي بالعزل دون إذن الزوجة، وهو من حق الزوج والزوجة.
٩/ قاعدة: الحكم إذا علّق على وصف قوي بمقدار ذلك الوصف فيه.
- موضعها من الحديث:(فإني مكاثر بكم الأنبياء).
- العلاقة بينهما: أن التكاثر يكون في التبكير بالنكاح، ودلالة الالتزام هنا تقتضي أن الإنسان يتزوج عند بلوغه؛ ويترتب على ذلك أن الانسان في حال الشباب يستطيع السيطرة على المرأة والأبناء، أما لو كبر فيضعف وتغلبه الرحمه على القوة فيؤدي ذلك الى انفلات.
——————————————————
(باب الكفاءة والخيار)
——————————————————
حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: [تزوَّجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العاليةَ من بني غِفارٍ، فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها، رأى بكَشْحِها بياضًا، فقال النبيُّ ﷺ: ((البسي ثيابَك، والحقي بأهلِك))، وأمر لها بالصَّداقِ. - رواه الحاكم- ].
هذا الحديث ضعيف، وضعفه شديد جدًا؛ وذلك لأن جميل بن زيد ضعيف وواهن، وتفرد به واطرد فيه وهو لا يحتمل تفرده، وإذا كان كذلك فهذا الحديث لا يثبت النبي ﷺ.
قوله: (كشحها): هو ما بين الخاصرة والضلوع.
وقوله: (بياضاً): يعني برصاً.
وقوله: (والحقي بأهلك): هذا لفظ طلاق ، وهو قسمان:-
1. صريح: وهي التي لا تحتمل إلا الفراق، كالطلاق، فيقع ولو مازحاً.
2. كناية: وهو اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره، فهي بحسب نيته، فإن نواه طلاقًاً فطلاق، وإلا فلا.
وإن قال والطلاق: إن تفعل كذا ، أو ألا تفعل كذا، فما حكمه؟
الجواب: هناك قاعدة وهي:
١٠/ قاعدة: يجوز الحلف بأسماء الله تعالى وصفاته وأحكامه
- موضعها من الحديث:(الحقي بأهلك).
- العلاقة بينهما: فيجوز الحلف بالطلاق لأنه من احكامه سبحانه.
فلو قصد اليمين: فكفارته كفارة يمين.
ولو قصد فراق امرأته: وقع طلاقًا لو حنث، وكذا لو قال: هو يهودي لو فعل كذا وكذا، فهذه تأخذ حكم اليمين لأنه جعل التزامه بإيمانه مانعاً، فأشبه بذلك الحلف بالله عز وجل فكان قسمًا وإذا حنث وجب عليه كفارة اليمين إذا كانت مستقبلية، واليمين ثلاثة أقسام:-
- يمين غموس: وهي التي تغمس صاحبها في الإثم؛ لأنه يحلف على شيء ماضي عالمًا به ذاكرًا كاذباً ليقتطع به مال امرء مسلم.
- اليمين اللغو: وهي الدارجة على اللسان دون انعقاد القلب بها، كقوله لا والله ، وإيه والله، فهذه لا شيء فيها.
وكفارة اليمين في قوله تعالى:(( لا يآخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يآخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون)).
فيخير بين الاطعام والكسوة أو تحرير رقبة، فيجزئ بأحدها والأفضل مراعات ما كان نفعه متعدٍ.
فإن لم يستطع فيصوم ثلاثة أيام متتابعات.
١١/ قاعدة: لا يلحق الأدنى بالأعلى إلا إذا تحقق معنى الأعلى في الأدنى.
- موضعها من الحديث:(رأى بشحها بياضاً).
- العلاقة بينهما: أن العيوب إن كانت موجودة في أحد الزوجين ولم يعلم عنها شيء فيحق للآخر الفسخ إن علم بذلك، فلو أن امرأة اكتشفت أن زوجها ليس له ذكر، فلها حق الفسخ ولكن إن كان حاله قد يصلح بالعمليات التجميلية الطبية فننظر إن قضت به المرأة وطرها واستطاعا الانجاب فلهما ذلك، وإلا فلا يلحق الأدنى وهو الذكر الاصطناعي بالأعلى وهو الطبيعي الذي خلقه الله.
١٢/ قاعدة: ما لم يحدد في الشرع فالمرجع في تحديده العرف.
- موضعها من الحديث:(سبق).
- العلاقة بينهما: العيوب الضابط فيها العرف، فالبرص وغيره من العيوب، التي يستحق بها الفسخ في العرف .
وفي حديث الثلاثة من بني إسرائيل الذين اختبرهم الله كان في أحدهم القرع: وهو الذي ليس له شعر وفي رأسه تقرحات ورائحة كريهة، وهو بخلاف الصلع وغيره فقد يكون من علامات الجمال عند الرجال، فالعيوب المرجع في تحديدها عرف الناس، فلو تبين أن به عيب لم تعلم به فلها الفسخ ويرد لها المهر كاملاً، وإن كان بسببها هي وتبين العيب فله الفسخ وترد له المهر كاملاً إن غرته ، ولإن كان التغرير من غيرها ، فلها المهر بما استحل من فرجها ، ويرجع على من غره .
لقوله تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلا الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا)) الآية.
ولقوله صلى الله عليه وسلم لما فرق بين المتلاعنين ، قال يارسول الله مالي ، قال : ( إن كنت صادقاً فما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذباً فذاك أبعد عليك).
والله أعلم .
محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى / مكة المكرمة.
كتبه عنه تلميذه: سعود بن صالح الزهراني .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق